الولايات المتحدة الأميركية تتملكها قناعة بأن القضايا -ولاسيما السياسية والاستراتيجية- تنجح بالتسوية الشاملة أو التسويات الجزئية أو تطبيق سياسة الخطوة خطوة أو سياسة الاحتواء وفقًا للتقاليد والأعراف والقواعد الأميركية..

عندما نتحدث أحيانًا عن العالم الجديد ببعض التحليلات والنظرات والخطرات فإنما نحاول أن نجسّد دور المثقف في البحث والاستقراء والتداخل مع الآخر تداخلًا منهجيًا وموضوعيًا، وهذا حد أدنى من واجب الكتابة.

وفي هذا الحديث أحاول أن أسجل شيئًا من مشاهداتي وتأملاتي ومطالعاتي لعقد من الزمن أمضيته في الولايات المتحدة الأميركية وغرضي من هذا التقاطع من رحلة رصدي للتجربة الأميركية أن ألقي بعض الضوء على الذهنية الأميركية بغرض التعريف أساساً وليس لتغيير وجهات نظر العالم.

ففي دول الغرب الصناعي وخصوصاً الولايات المتحدة الأميركية تأخذ الحياة منظوراً مختلفًا، وهذا يعود في تصوري إلى طبيعة الذهنية الأميركية التي تختلف في بنيتها وتركيبها عن الذهنيات الأخرى وأحد أهداف هذا الحديث هو محاولة رصد هذه الذهنية.

ولكن بأي كيفية يمكن أن نقرأ هذه الذهنية؟

فمبدأ المساومات والتفاهمات والتسويات والتراضيات في العلاقات ثاويًا في بنية الوعي الأميركي وفق آليات تنظيمية عفوية أو تماسك مؤسسي.. ولذلك فالذهنية الأميركية لا تقيم وزنًا لمفهوم الحياد بمفهومه السائد سواء في العلاقات الفردية أو العلاقات الاجتماعية أو العلاقات الدولية.

وفي هذه الحالة لا تقيم وزنًا للفئوية أو الاجتماعية أو الحزبية بمفهومها الشائع ذلك أن الحزب أو الفئة أو الفرد الأميركي لا يعتقد أو يتبنى أو يدافع عن أي مبدأ سياسي أو فكرة اجتماعية، وإنما ينزع إلى تحقيق الذات أو المصلحة.

وتبدو الصورة أكثر وضوحاً في العلاقات الدولية ذلك أن أميركا في الغالب لا تأخذ موقف الحياد في العلاقات الدولية.. فالمجتمع أو المؤسسة الأميركية لا ترى بأساً في مد يد المساعدة لكلا الطرفين المتحاربين حتى ولو كان أحدهما على غير وفاق معها، وذلك ناتج لطبيعة الذهنية الأميركية التي تجنح إلى الترضيات والتسويات والمعالجات في الأزمات السياسية والاستراتيجية وحتى الاجتماعية.

لقد وطد المجتمع الأميركي نفسه على الخضوع تحت سلطة الذهنية والاستكانة لها، ولذلك تمثّل التفاهمات والتسويات منزعًا راسخًا لدى الأميركيين.. فالرؤية المتأملة في المغزى الاجتماعي والسياسي والدلالة المنهجية التي ينطوي عليها مفهوم الذهنية هو التواصل وتجسير العلاقات مع أي كان.

فالولايات المتحدة الأميركية تتملكها قناعة بأن القضايا -ولاسيما السياسية والاستراتيجية- تنجح بالتسوية الشاملة أو التسويات الجزئية أو تطبيق سياسية الخطوة خطوة أو سياسة الاحتواء وفقًا للتقاليد والأعراف والقواعد الأميركية.

وإن كانت مفردة الذهنية غير شائعة رغم تجذرها في التراث الأميركي إلا أنها واقع فطري في الإنسان الأميركي تتحرك بمقدار ما تبتعد لأطراف عن بعضها.

وتعود تلك التقاليد إلى أن المجتمع الأميركي مجتمع يتألف من أجناس وأقوام متباينة، ويحوي الكثير من المعتقدات الدينية والإثنية والثقافات والمدنيات والنظم والمبادئ والاتجاهات سواء أكانت سياسية أو ثقافية أو اقتصادية أو اجتماعية.. فالتنوع الإثني والديني والثقافي والأيديولوجي ميزة يتصف بها المجتمع الأميركي، والذهنية في هذه الحال هي الوعي الناظم لطبيعة هذا التنوع والتي يحيل عدم تطبيقها إلى نزاع اجتماعي ناتج عن تعدد الاختلافات، وإن كان جون لوك يعتقد أن الذهنية فرع عن نظرية الليبرالية التي كفلت التعايش السلمي في المجتمع.

فالتجربة والتاريخ قادتا المجتمع الأميركي إلى مبدأ المساواة والتسويات التي أحالتها الديمقراطية الأميركية إلى ما يعرف برأي الأغلبية.

يترتب على ما سبق سؤال مهم جدير بوقفة طويلة للمناقشة: ما موقفنا ووضعنا كعرب من هذه النظرية الاجتماعية؟

فإذا كان الإنسان العربي ينظر إلى الحياة من منظار روحي قيمي مثالي لا مادي فإن الذهنية الأميركية تقوم على فلسفة مادية بروقماتية، وإن كان هنالك قاسم فكري مشترك بين الذهنيتين فيتمثل في الواقعية الإنسانية.

ولذلك فإن المثالية التي يتبناها الإنسان العربي قد استبعدتها أميركا من اعتباراتها، فنظرة العربي إلى المقاييس الخلقية والقيم الروحية والتقاليد الشرقية تختلف اختلافًا أساسيًا عن النظرة الأميركية.

فرغم أن العلاقات العربية الأميركية تعود إلى النصف الأول من القرن الثامن عشر إلا أن حالات التفارق والتباين والتباعد ما بين الذهنية العربية والذهنية الأميركية هو الغالب في العلاقة فيما بينهما.. وهذا يعود إلى عدم إدراك وفهم هذه الذهنية وفلسفتها مما أدى إلى إدخال الذهنيتين في صراع دائم ومتصل وهو صراع ما بين الواقعية المادية والمثالية الروحية.

إن لكل بلد تقاليده الخاصة؛ والأميركيون على قصر وحداثة تاريخهم قد أوجدوا لهم تقاليد تولدت من واقع حياتهم فأصبحت جزءاً من طبيعة وذهنية الفرد الأميركي، وتحولت إلى منظومة أعراف وتقاليد وقوانين غير مكتوبة، ولذلك علينا كعرب أن ندرك هذه التقاليد للتمكن من الوقوف على حالة النظام الأميركي العام وربما هذا يعطينا فكرة دقيقة للعقلية الأميركية.