نحن بحاجة إلى من يجمع ما بين المعرفة الشرعية من ناحية، والمعرفة المستندة إلى مفاهيم العصر ومبادئه من ناحية ثانية، وإلى إجادة للمعرفة في هذا العصر من ناحية ثالثة.. وهذا يعني فهم الإسلام بعقل مفتوح ورغبة في الفهم بعيدًا عن تداعيات الذاكرة أو تصورات الذات..

من الذي يقرر الصواب والخطأ؟

يقول جون ستيوارت ميل: لا يمكننا أن نجزم بأن ما نقوم به هو دائمًا الصواب وأن ما نرفضه هو دائمًا الخطأ.

إن مسألة الصواب والخطأ التي نتناولها لا تتصل من قريب أو بعيد بالمسألة الدينية أو القيم الأخلاقية التي أصبح مسلمًا بصحتهما فكلاهما خارج الموضوع.

فإذا ما تملكنا نضج عقلي وخلقي بانت لنا حدود الصواب والخطأ فكلاهما يوجد في تكوين الإنسان وطبيعته وميله فأي فكرة أو إيحاء سواء أكانت صوابًا أو خطأ سوف يكون لها نتائجها إيجابًا أو سلبًا ما دام يقتدى بها.. فالصواب والخطأ مصطلح نسبي يتصل بالتجارب، فالقائمون على التجارب دائمًا معرضون أكثر من غيرهم للخطأ والنقد لأن التجربة لا تستهدي بعرف سابق أو قانون قديم وإنما تستهدي بأمل شجاع متوجه نحو المستقبل.. وكثيرًا ما يرتطم هذا الأمل بتوقعات الآخرين المبنية على ممارسات الماضي وعندما ترتفع الأصوات منتقدة للتجربة على ضوء إخلال توقعاتها الخاصة لا على ضوء الواقع الجديد.

فليس من شأن هذا العصر النسبي أن يعطينا فرصة لكي نتحدث إليه بلغة مطلقة، لقد جعل زمن التكنولوجيا من كل القضايا، كل المسائل، كل الإجابات، كل الوجوه نسبية للمسألة الواحدة، عشرات الوجوه وعشرات الإجابات هذا الكم الهائل من المسائل والأفكار والآراء والقضايا أصبح القطع فيها بلهجة نهائية أمرًا عسيرًا.. ولذلك علينا أن نخضع مسألة الصواب والخطأ إلى نسق نؤمن به عن اقتناع عقلي ووجداني، فالصواب يجب أن يكون متوجهًا نحو غاية واضحة، ولذلك لا بد أن يكون لنا في هذا الزمان النسبي ثوابت نركن إليها عندما يصير عدم اليقين الفكري هو الشعار.

فعندما نقرأ الصواب والخطأ من زاوية المتغيرات علينا أن نصغي لذلك الحوار العلمي ما بين آنيشتاين ومساعده.. فبعد أن وضع ألبرت آنيشتاين أسئلة مادة الفيزياء لطلاب المرحلة النهائية لقسم الفيزياء بجامعة برنستون بمدينة برنستون بولاية نيوجرسي في الولايات المتحدة الأمريكية سأله أحد كبار مساعديه الأكاديميين وكان في طريقه إلى مكتبه:

أليست هذه أسئلة العام الماضي؟

قال: بلى

فقال مساعده: إذًا كيف تضع أسئلة العام المنصرم لطلاب هذا العام؟

فقال آنيشتاين: إن الإجابة على أسئلة هذا العام تختلف اختلافًا كليًا عن إجابة أسئلة العام السابق حتى ولو كانت الأسئلة واحدة، إن كل شيء في هذا العالم يتغير، ففي اللحظة التي نتحدث فيها الآن تغير كل شيء عما قبلها.. فما كان صوابًا منذ لحظة قد لا يكون صوابًا الآن، فالحياة في تجدد وتغير دائم.

وإذا ما قرأنا الصواب والخطأ من زاوية أخرى فعندما يجد منا الواحد نفسه في نقاشات واختلافات في طرائق التفكير فكثيرًا ما يأخذه هذا النقاش إلى الدخول في المناظرات والمناقشات ذات الطبيعة الفكرية أو الفلسفية لتوضيح هذا الجانب أو ذاك.

فإذا ما عرفنا أنه ليس كل واحد منا عالمًا أو مفكرًا أو موسوعيًا؛ ومن هنا فالخوض في كثير من القضايا الفكرية أو العلمية أو الفلسفية باب من أبواب الجدل الذي يقود إلى مزيد من البلبلة الفكرية على فرض حسن نية الطرف الآخر في النقاش ومن هنا وجب الاحتياط وعدم فتح الثغرات في المسائل الفكرية والعلمية والفلسفية.

فأفضل ما يفعله الشخص الذي لا علم له بموضوع النقاش علمًا وثيقًا هو أن يتجنب النقاش غير المفيد جملة، أو أن يستأني الشخص المتسائل أو المستوضح أو المشكك ريثما يستفسر هو ربما بالرجوع إلى مرجع موثوق به أو بسؤال من يثق بعلمه ودرايته ويوجد مصادر كثيرة تعين الذي يريد أن يناقش على بصيرة.

وهذا أفضل من إعطاء صورة ناقصة أو تفسير مختل، وإذا استمهلت الشخص الذي يسأل حتى تفكر في الموضوع فإنه لن يسخر من قلة علمك بل إنه سوف يحترم جديتك ويقدر إحساسك بالمسؤولية وهذا هو السبيل العلمي، ولذلك علينا ألا نقع في تلك المواقف لكي ندفع تهمة أو ننال إعجاب شخص ما.

ولكن على من تقع مسؤولية الصواب والخطأ؛ هل على من يهمل فعلًا واجبه؟ أم هل علي أن أنور ضميري وأن أستعلم عن واجباتي كلما جهلتها؟

ففي مسألة الصواب والخطأ علينا أن نفرق ما بين علم الأخلاق وبين السلوك الأخلاقي، بين النظرية والتطبيق، بين النسبي والمطلق، بين الدين والتدين.

فعندما ننظر إلى العلاقة ما بين الدين والتدين، أي ما بين الإسلام ونصوصه وبين التطبيقات المختلفة للمسلمين في تاريخهم لمبادئ الإسلام، مما يعني أن هنالك تفريقًا واضحًا حيث تبدو أهمية الفصل ما بين الدين والتدين ضرورة منهجية لتحرير النقاش والجدل حول الاتهامات التي تنشر وتخلط بين الإسلام والمسلمين أو ممن يدعون حيازة فهم حصري وأحادي للإسلام من واقع تطبيقاتهم.

ولهذا نكون بحاجة إلى من يجمع ما بين المعرفة الشرعية من ناحية والمعرفة المستندة إلى مفاهيم العصر ومبادئه من ناحية ثانية، وإلى إجادة للمعرفة في هذا العصر من ناحية ثالثة.. وهذا يعني فهم الإسلام بعقل مفتوح ورغبة في الفهم بعيدًا عن تداعيات الذاكرة أو تصورات الذات.