غريب وعجيب أمر هذا الكون فهو قائم على التناقض والتخالف والتضاد في كل شيء، ليل ونهار، وحرٌ وبرد، وماءٌ ونار، حلمٌ وغضب، شحٌ وكرم، وهو يسير في موكبه كسفينة عملاقة في بحر لجي تعصف بها الرياح وتتلاطم حولها الأمواج وتصطرع تحتها الحيتان وهي في طريقها تضطرب حيناً وحيناً تسير في سكينة ورخاء.. والكائن البشري يحمل التناقض نفسه من حب وكره، وكرمٍ وبخل، وشجاعة وجبن.. إلى كل ما في هذه التناقضات من اختلاف واتفاق وقربٍ وبعد وتطابقٍ وتنافر..

وأظن أن أسعد الناس في هذه الدنيا وأكثرهم حظاً هم البلهاء وأشباه البلهاء الذين يأكلون ويشربون وينغمسون في ترف الحياة أو في شقائها دونما التفات إلى شيءٍ من أمور الحكمة فيها أو الاتعاض بما يدور بها أيضاً.. فهم أشبه بمن يعيش في غرفة بسفينة لا يخرج منها فلا يرى اصطراع الأمواج ومعارك الحيتان تحته ومن حوله، فكلٌ في فلكه منشغل.. فالغبي يرتع في غبائه والذكي يشقى بذكائه والطبل من الناس يسعد لسماع رنين وطنين نفسه فيظن أنه المهيمن والذكي البارع وأن من حوله أوباش وسُذج وحمقى وهو وحده الذكي الألمعي.

وربما يجد من يقول له: نعم أنت، أنت.. فيزداد غياً إلى غيه وجهلاً على جهله وانتفاخاً إلى انتفاخه.. وهناك في المقابل من اتخذ لنفسه محطات يقف فيها فيسأل نفسه: ماذا فعلت؟ وماذا أفعل؟ وهل أنا على صواب أم على خطأ؟ وذلك في محاسبة ذاتية صريحة وما أصعب الوقوف مع النفس والأعجب منها الاعتراف بزللها أو خطئها، فالنفس أمارة بالسوء، والسيئون هم الذين يلبون رغباتها ويندفعون في تحقيق شهواتها ومآربها بلا تردد أو إصغاء لصوت ضمير أو صوت ناصح.. فهم في صممٍ عن كل الأصوات ما عدا صوت الغرور والكبرياء.. وأعظم شيءٍ في النفس الكريمة أن تصغي دائماً إلى صوت الحق داخلها. وهنا يكون تسامي النفس وعظمتها.