يتّفق النقاد على أن الملاحم قد نضجت واكتملت معالمها، ونمت نموًا عظيمًا، مستوعبة الأزمنة التي مرت بها، وحققت سبقًا مشهودًا في منهج الإبداع العالمي، وعمقت الصلة ما بين الفن والكفاح..

أقرأ هذه الأيام في الملاحم الأدبية القديمة الإلياذة والأوديسة والإينيادة والماهابهارتا والتي تعد في بنائها وروعة خيالها وعمق تصويرها أسمى ما عرفه العالم من نتاج أدبي.. والتي أحالت الشعر إلى عائلة إنسانية واحدة ونظرت إلى الواقع كمرسم فنان واخترعت عالما من الخيال والأسطورة حتى البائس - كما يقول ديورانت - يستطيع أن يستمتع بروعتها وعذوبتها.

لقد كانت تلك الملاحم فكرة لكل ما يمكن التعبير عنه تحت سلطان الخيال وفي نفس الوقت مادة خام تراث إنساني تفاعلت معه الإنسانية في نظم فني فلسفي متفرد في تبسيط الواقع في وقت كان فيه التاريخ مستودعًا للتراث الشفوي.

وعندما ننظر في تلك الملاحم ونسبر أغوارها نقرأ الواقع والخيال يتقاسمان الحب والحرب والخرافة والأسطورة والطقوس والوهم في لوحات فلسفية أسطورية مسرحية عرفها التاريخ كأعظم مشهد من مشاهد الخيال نقلت تقاليد العصور في أشكال شعرية متفردة وارتقت بالشعر في أجواء مليئة بالرؤى والتألق والروعة.

لقد كان الفن الملحمي الفنار الذي تتجه إليه الأنظار وشاهدًا تاريخيًا على تاريخ البسالة والبطولة والفروسية والمتيتافيزيقا.. لقد كان لتلك الملاحم الشعرية حضور واحتفاء إنساني أبدي أعطى أجواء إيحائية وتصويرية وإبداعية وقدم تنويعًا فلسفيًا جامح الخيال.. لقد قامت تلك الملاحم على فكرة الإبداع الجماعي على أن الشعر يجب أن يخضع للتوليفة الجماعية ويقطع الصلة بالموهبة الفردية ذلك هو خط منهج الإبداع الملحمي.

انتقلت تلك الملاحم من جيل إلى جيل ومن عصر إلى عصر ومن نفس شاعرة إلى أخرى إلى أن تكامل بناؤها كأعظم آية من آيات الخيال فالقارئ لتلك الملاحم يشعر بالتعاطف مع الحضارات والأزمنة القديمة.

كانت أولى تلك الملاحم الماهابهارتا والتي هي في رأي ناقد هندي أعظم آية من آيات الخيال التي أنتجتها آسيا واعتبرها سير تشارلز إليت أعظم وأروع من الإلياذة في بنائها النظمي والفني.

بدأت الماهابهارتا كقصيدة قصصية قصيرة في 500 سنة قبل الميلاد ثم أخذت تضيف إلى بنائها الفني الملحمي قيمًا وحكايات وأساطير وتأملات ومقطوعات وإضافات جديدة على مر العصور.. وأدخلت في بنائها الشعري قصيدة بهاجافاد جيتا وأجزاء من قصيدة راما حتى وصلت أبياتها إلى 107,000 من أبيات الشعر الثمانية المقاطع - أي ما يساوي الإلياذة والأوذيسة مجتمعتين سبع مرات.

تنسب الملحمة إلى قياس ومعناها المنظم والحقيقة أنه ألفها 100 شاعر وصاغها ألف منشد ثم جاء البراهمة فصبوا أفكارهم في مجرى الملحمة.. فالماهابهاراتا تغرق بالخيالات والتأملات والحكايات الجامحة الخيال والقصص الخرافية وتراجم القديسين وقوانين مانو ومبادئ اليوجا وتجارب النرفانا.

وتتداخل مع قصيدة (بهاجافاد - جيتا) والتي تعد أجمل قصيدة فلسفية عرفها العالم وقد تناولتا المفاهيم والمعتقدات والمعارف والنظم ولا يعرف ناظمها وتاريخ نظمها والتي يرجع تاريخها إلى 400 سنة قبل الميلاد والتي يستخدمها الهنود لحلف اليمين في المحاكم.

وأما ثانية الملاحم الهندية فهي (رامايانا) وهي أقصر من الماهابهارتا إذ لا يزيد طولها على ألف صفحة قوام الصفحة منها ثمانية وأربعون سطرًا إلا أنها أخذت تزداد بالإضافات من القرن الثالث قبل الميلاد إلى القرن الثاني بعد الميلاد ويعزو الرواة هذه القصيدة إلى فالميكى ولكن الأرجح أن القصيدة أنشأها عدد كبير من المنشدين العابرين.

أما ملحة الإينيادة فقد كتبها الشاعر الروماني بوبليوس فرجيليوس مارو والتي استغرق كتابتها عشر سنوات من العام 29 وحتى العام 39 قبل الميلاد.. لقد كانت الإينيادة تبحث عن أرض الأحلام ما بين المدن والجزر والبحار وكانت خارجة عن المألوف فهي رحلة من أجل الرحيل تحتوي الإينيادة على الكثير من المعلومات الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية في المناطق الواقعة بين آسيا الصغرى في الشرق وشمال إفريقيا في الغرب وجنوب أوروبا.

أما ملحمتا الإلياذة والأوديسة وهما من تأليف الشاعر الإغريقي القديم هوميروس فتعدان من أشهر الملاحم القديمة وقد وقعت أحداث الإلياذة في منتصف القرن الثاني عشر قبل الميلاد وقد ترجمت الإلياذة إلى كل لغات العالم.

إن أهم نقص يراه النقاد في الملاحم القديمة هو افتقارها إلى الترابط المنطقي في التأليف، وإن كانت الأزمنة التي مرت بها الملاحم هي التي تمنح موضوعاتها للملحمة.. إلا أن النقاد يتفقون على أن الملاحم قد نضجت واكتملت معالمها ونمت نموًا عظيمًا مستوعبة الأزمنة التي مرت بها وحققت سبقًا مشهودًا في منهج الإبداع العالمي وعمقت الصلة ما بين الفن والكفاح.

فقد كانت الملاحم تمثل أفكار وأساليب العالم القديم ولكنه عالم إنساني وعفوي المشاعر قدم أروع النماذج الإنسانية.

لقد حازت الملاحم الأدبية القديمة على شهرة عالمية ودخلت تاريخ الأدب العالمي وأصبحت في نظر أجيال العالم رمزًا للفن الشعري القديم.