لست أدري لماذا يتشاءم العرب من الغراب، هل ذلك بسبب لونه؟ أم بسبب نعيقه؟ أما عن ريشة الغراب فقد كنا في المدرسة الابتدائية نضع ريشة في الموقف من سور القرآن.. وذات يوم رأى الأستاذ مع أحدهم ريشة فصاح به: أتضع ريشة الغراب في المصحف يا عدو الله، ثم صارت قضية بالمدرسة، هل ريش الغراب وما شابهه من الطيور الأخرى نجسٌ أم لا؟ ومر العام ولم نسمع رأياً قاطعاً.

وأذكر في طفولتي مشهداً لن أنساه وهو أن رجلاً رمى غراباً فأصابه ولم يقتله وأصبح الغراب يطير في ضعفٍ وهو يقترب من الأرض فانطلق غراب آخر وصار يحمله ويساعده على الطيران حتى أوصله قمة الجبل، ولن أنسى مشهداً آخر وهو أن غراباً كان واقعاً فوق ظهر جمل وإذا بصوت طلقٍ ناري يردي الغراب من على ظهر الجمل الذي لم يصب بأذى واستغربت وتعجبت من جرأة الرامي وثقته بتصويبه.

والغراب مرتبط بالتراث الشعبي ارتباطاً يكاد يكون لصيقاً بأحاديث وحكايات الموروث في فترة من فترات التاريخ الإنساني، وقد تكرر ذكره في الكتب السماوية وفي الأساطير الشعبية.. وقد عُرف الغراب بحذره الشديد.. ومما يروى عن حكاية الفطنة والدهاء والحذر أن صديقين كانا يتنافسان في مهارة الاختلاس والسرقة والحذق في التستر والتخفي وقد بلغ بهما الأمر مبلغاً شديداً، وذات يوم كانا جالسين تحت شجرة في أحد الأودية وقد رأيا غراباً في عشه وهو محتضنٌ لبيضه، فتراهانا وتعاندا على من يستطيع منهما أن يختل الغراب ويسرق بيضه من تحته وهو لا يشعر.. وكان الرهان على استحقاق الفائز بالزواج من ابنة عمه.. فتسلل أحدهما ولكن الغراب رآه فطار ولما عادا إلى مكانهما مرة أخرى في بطن الوادي أخرج الآخر البيض من جيبه حيث سرقه من تحت الغراب ولم يشعر به.

هذه الحكايات والأساطير في الميثولوجيا الإنسانية وبالتعامل مع الكائنات الأخرى على وجه الأرض والتي تحولت إلى شيءٍ من التراث الوجودي وصارت جزءاً من ثقافة الإنسان المتوارثة على مر الأحقاب والدهور.. أما تشاؤم العرب من الغراب فسببه أن الغربان إذا ترك القوم منازلهم تقع وتحجل في مكان تلك المنازل لعلها تجد ما تأكله فإذا جاء العاني أو الزائر يبحث عن تلك البيوت وأهلها لم يجد إلا الغربان تحجل في تلك الأماكن.. واليوم تكاد الغربان تختفي وتبتعبد عن حياة الإنسان الذي هجر مضارب الخيام وهجر المنازل والربوع.