العلاقات السعودية - اليابانية أحد المحاور المهمة التي من مجموعها تتشكل صورة علاقاتنا الخارجية، والتي هي استكمال لحلقات التاريخ الحضاري والثقافي والاقتصادي المشترك، والسعي في طريق الحوار وتبادل وجهات النظر من أجل بلورة الخيار الحضاري والاستراتيجي؛ للوصول إلى تفاهم مشترك حول مختلف القضايا الإقليمية والعالمية..

يعيش العالم اليوم قمة عصر الاتصال الذي جعل كل أجزاء الكرة الأرضية قريبة إلى بعضها قربًا لا فكاك معه من التأثير والتأثر.

ولذلك فالعالم اليوم أحوج ما يكون لأن يتمثل روح الحوار؛ لأن الحوار هو الوسيلة المثلى لتحديد الأهداف الوطنية في هذا العالم المتشابك المصالح.

فالإيمان الواعي بالحوار كوسيلة ليس فقط لتوضيح وجهات النظر، وإنما كذلك للسعي الإيجابي لتأكيد الذات والعمل على بلورة الخيار الحضاري خاصة أننا نعيش في عالم متغير، ولا بد أن تختلف استراتيجيتنا ووسائلنا وآلياتنا لمواجهة التحدي الكبير الذي يفرضه هذا العالم المتغير.

فالعلاقات الدولية لم تعد مسألة خيار بقدر ما إنها قضية بقاء، فالأمم تلتقي ليس على مصالحها الوطنية فحسب بل إنما تلتقي كذلك على هموم البشرية بأسرها، فلم يعد العالم في هذا الوقت سهل الانعزال في أقاليم وأقطار، بل صار شبكة حية تستدعي أدنى وخزة منها استجابة في جزء آخر.

ولذلك فالعلاقات الدولية لا تقوم على تفوق موروث طرف على الآخر ولكنها تقوم على تحليل منطقي لمصالح الطرفين في ضوء انتماء كل منهما إلى حضارته وتراثه الثقافي وخياراته الاستراتيجية واحترام كل من الطرفين لمبدأ التعاون من أجل المصالح الوطنية ومصالح المجتمع الدولي.

فالمملكة في جميع خطواتها السياسية والدبلوماسية والاستراتيجية - ذات سيادة ورؤية واضحة - تنطلق من معرفتها بما تريد هي لا من إدراكها لم يريد الآخرون، وإن كانت معرفتها بمواقف الآخرين جزءا من انتهاجها لسياسة الحوار والتزامها بها، فليس ضروريًا أن تتطابق وجهات النظر ولكن من الضروري أن تتوفر المعرفة المتبادلة بضرورة السعي نحو تقريب وجهات النظر في عالم يسعى للوفاق لا للصراع واقتسام مناطق النفوذ.

ولذلك فالمملكة في جميع علاقاتها تنطلق من مصلحتها الوطنية التي على ضوئها يترتب مظاهر سلوكها السياسي والدبلوماسي والاستراتيجي، وقد شاء الله أن يكون قدرنا أن نحمل مع همومنا الوطنية وتطلعاتنا المشروعة هموم منطقتنا بأسرها، وهي منطقة استراتيجية ذات أهمية قصوى للعالم بأسره، وأن نشارك أكثر من غيرنا في التصدي لمشكلات كثيرة، وقد تقبلنا هذا القدر بروح المسؤولية من منطلق معرفتنا بحجمنا الدولي ورغبتنا في أن نكون قوة فاعلة في المسرح العالمي كما ينبغي أن نكون.

في هذا الإطار يأتي الحديث عن علاقاتنا مع أرجاء العالم باعتبارها أحد المحاور المهمة التي من مجموعها تتشكل صورة علاقاتنا الخارجية فالمملكة تتخذ الموضوعية ومواجهة الحقائق سبيلًا للتعامل الدولي مع كل القوى الإقليمية والعالمية، فالتوازن الدقيق الذي أقرته سياسة الملك سلمان بن عبدالعزيز - حفظه الله - هو أن تحرص الدولة على رعاية مصالحها الوطنية ومكانتها القيادية في العالمين العربي والإسلامي ودورها الإقليمي والعالمي، وهذا التوازن الفريد سمة لسياسة المملكة الخارجية تجاه القوى الإقليمية والدولية.

فالمتغيرات السياسية العالمية استدعت دخولنا كبلد رئيس في ساحة الأحداث بقوة، وقد استخدمت المملكة ثقلها السياسي والاقتصادي والاستراتيجي إقليميًا وعالميًا من أجل الوصول إلى مشروعات حلول عادلة وسليمة، وذلك بما تتمتع به من حكمة وحنكة ونظرة واسعة ومتسامحة بحيث أصبحت كيانًا يجمع وبلدًا يوحد وقوة تعزز وتدعم الحق وتقف إلى جانب المبادئ السلمية.

وقد استفادت المملكة من صداقاتها الطويلة مع مختلف دول العالم في تطوير مواردها الذاتية وترسيخ بنية اقتصادها الوطني وتدعيم إمكاناتها الدفاعية، وهي اليوم قوة فاعلة في المسرح العالمي ودولة محورية لا يمكن الاستغناء عنها دينيًا وسياسيًا واقتصاديًا واستراتيجيًا وأمنيًا، وتكمن أهميتها في مواقفها المعتدلة ونفوذها السياسي وموقعها الاستراتيجي وقوتها الاقتصادية ودورها الدبلوماسي كل هذه المعطيات أهلت المملكة لأن تقوم بأدوار سياسية واستراتيجية عالمية مكنتها من أن تحتل مكانة عالمية.

وفي إطار التعميم السابق يأتي الحديث عن العلاقات السعودية - اليابانية باعتبارها أحد المحاور المهمة التي من مجموعها تتشكل صورة علاقاتنا الخارجية والتي هي استكمال لحلقات التاريخ الحضاري والثقافي والاقتصادي المشترك والسعي في طريق الحوار وتبادل وجهات النظر من أجل بلورة الخيار الحضاري والاستراتيجي للوصول إلى تفاهم مشترك حول مختلف القضايا الإقليمية والعالمية.

وهذه العلاقة الثنائية على مستواها الاستراتيجي في تصاعد قوي ومستمر هذا فيما يتعلق بلقاءات القمة فضلًا عن العلاقة الدبلوماسية على مستوى السفارات والمبعوثين الخاصين والعلاقات شبه الدبلوماسية التي يخلقها جو التبادل التجاري.

ومع إطلالة هذه المرحلة الجديدة أخذت العلاقات السعودية - اليابانية أشكالا جديدة أملتها الأوضاع العالمية والمتغيرات السياسية في منطقة الشرق الأوسط، ومن هنا أخذت العلاقات السعودية - اليابانية شكلًا جديدًا يعتبر فيه كل من الطرفين الطرف الآخر شريكًا أساسيًا.

وجاءت زيارة رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي استكمالًا واستمرارًا في سلسلة طويلة من اللقاءات على مستوى عالٍ، وهي بهذا الفهم استمرار على نفس النهج السابق والثابت في وصل الحوار وتبادل وجهات النظر من أجل المصالح الوطنية والإقليمية والعالمية المشتركة.

ولذلك فاليابان تدرك حجم ودور المملكة الحقيقي كدولة قائدة ومحورية تتمتع بثقل واستقرار اقتصادي وسياسي على مستوى العالم، ومكانة قيادية على مستوى العالم العربي والإسلامي، وهذا لم يكن قصارى وحجم دور المملكة، فهي على ساحة الاقتصاد العالمي (الطاقة) العضو الأكبر بحكم حجم الإنتاج، وأحد أكبر الأعضاء الفاعلين في منظمة التجارة العالمية، وأحد الأعضاء الكبار في مجموعة العشرين الاقتصادية الكبرى، وحاليا ترأس قمة مجموعة العشرين، واليابان دولة عضو في المجموعة وقبل ذلك أحد الأعضاء المؤسسين لمنظمة الأمم المتحدة.

وعندما نقوم بتحليل منطقي للعلاقة الثنائية نجد أن الحس الاقتصادي والثقافي والاستراتيجي اليوم يقف وراء العلاقات السعودية - اليابانية والذي يستهدف - من الجانب السعودي - المصلحة الوطنية والتي تنظر إلى الوطن في إطار برنامج التحول الوطني رؤية 2030 وهي رؤية تستهدف وضع الإنسان السعودي في أرقى المجتمعات الإنسانية.

فالمملكة في ظل استراتيجيتها الجديدة تقدم نفسها للعالم بوصفها دولة إصلاحية حديثة فالتقدم والتطور العلمي والتقني والاقتصادي والثقافي يعد في الأساس جزءا لا يتجزأ من مكونات القوة السعودية الشابة ولذلك فقد توسعت وتطورت مسارات العلاقات السعودية - اليابانية لتجيء على مختلف المجالات الاقتصادية والتجارية والثقافية والطاقة المتجددة وفق الرؤية السعودية - اليابانية المشتركة 2030.

فالمملكة تاريخيًا شريك اقتصادي لليابان، وهي شراكة تقوم على الرغبة المشتركة في تعزيز التعاون والمصالح المشتركة ما بين البلدين الصديقين وقد استفاد كلا البلدين من علاقتهما وصداقتهما الطويلة في تطوير مواردهما الذاتية، وترسيخ بنية اقتصادهما، وتمتين العلاقات السياسية والاقتصادية فيما بينهما، ومن هنا جاءت مواقف البلدين الصديقين متطابقة.