كيف سخر الفرنسي وسائل التواصل للانصهار في الثقافة المحلية

بشكل ما، وخاصة بين الأجيال الجديدة، لا داعي لسرد تقديم مسهب حول شخصية لاعب الهلال، بافيتيمبي غوميز، المهاجم الفرنسي ذو الشعبية الواسعة بين مشجعي النادي، ومتابعي كرة القدم في المملكة بشكل عام، بالرغم من انضمامه للمشهد الكروي المحلي قبل عامين على الأكثر، فتكفي مطالعة حسابات جوميز على وسائل التواصل الاجتماعي لتبين كيف يلتف من حوله المتابعين والشباب، وتربطهم ألفة مميزة، يسهم فيها بشكل كبير مرونة شخصية مهاجم الهلال وتمكنه من فنون التواصل والسعي خلف الانسجام البناء، فحسابه على موقع انستجرام يضم ما يصل إلى مليون و400 ألف متابع، خلاف ما يزيد على مليون آخرين يتابعون تغريدات النجم الكروي على موقع تويتر والذي يأتي بعضها بلغة عربية سليمة، تدل على بعد نظر اللاعب، أو ربما فريق عمل وعلاقات عامة ذو خطة واستراتيجية مهنية ناجعة.

إحدى ميزات حالة اللاعب الفرنسي المحترف بالدوري السعودي، جوميز، وأصفها بأنها "حالة" في العلاقات العامة، هو تخففه من عباءة المغترب على بوابات المملكة، فمنذ انتقل إلى نادي الهلال في 2018، نجح في اجتذاب مفردات ثقافية شديدة الخصوصية، وتطويعها لتُصبح واحدة من أدواته في حصاد شعبية محلية استثنائية في المجتمع الذي وفد عليه كلاعب مُحترف، النحو الذي تصرّف عليه منذ حطت أقدامه لدينا يختلف تمامًا وسلوك أي لاعب محترف وفد إلينا من قبل، وكأنه قرار من اللحظة الأولى بالانصهار في يوميات المجتمع السعودي، حتى في اختياراته غير الرياضية، الترفيهية على سبيل المثال كأن يذهب في أجازة، يفعل ذلك كما يفعل السعوديون لا كما يفعل السائح، الأمر الذي يُشكّل درس أوّلي لأية لاعب محترف يود خطب ود جمهوره.

"براند" متميز

المثير أيضًا في حالة جوميز، هي السرعة التي نجح بها في تشكيل "براند" في أذهان مُتابعي الدوري السعودي، درس ثان، انطق اسم جوميز، وسُرعان ما ستتداعى لرأس المستمع عدة صور ذهنية مُصاغة بعناية: الأسد الذي أصبح لقبًا يحلو للمعجبين تلقيبه به، وتعززه صور احتفاله في الملعب، والأفاتار الخاص به على مواقع التواصل، وليس مجرد لقب أطلقه عليه معلق كروي في معرض الاحتفال بهدف وراح إلى حال سبيله. صورة ذهنية أخرى، لاعب أسمر، يتحدث الفرنسية، ولكنه على ذلك، يعتز بزيّنا الوطني: الثوب وغطاء الرأس، صورة ذاتية جديدة تمامًا، ومختلفة تمامًا، لا تتشابه وأي صورة لأي لاعب محترف آخر مر على الدوري السعودي من قبل. القهوة السعودية، بكل ما يحيط بها من طقوس، واحدة من مشتملات الصورة الذهنية المميزة لجوميز، وكأنما يعطي بُعدًا له لون وطعم ورائحة للبراند الخاص به، الأمر لا يتوقف لدى كونه مجرد طرفة خفيفة الظل، وإنما يتخطى ذلك، باختياره لهذا العنصر الثقافي شديد الخصوصية والارتباط بالمجتمع، واستذكار حتى طريقة النطق بالعامية السعودية.

يمكننا التساؤل هنا عما إذا كان يمكن للأسد جوميز تحقيق الشعبية ذاتها والقدرة على الاتصال الفعال مع المجتمع السعودي دون استخدام مواقع التواصل الاجتماعي ؟ في الحقيقة.. بات أثر الإعلام التقليدي محدود الأثر، لا يترك انطباعات بذات قوة وسائل التواصل الاجتماعي، ولا ينفذ إلى تفاصيل معيشة النجوم والشخصيات العامة كما تفعل مواقع التواصل، فتمحو بذلك هنا الحواجز والعقبات ما بين النجم المحبوب وجمهوره، ليروه كرفيق قريب، متباسط متفاعل شديد القرب، وهنا لا بد أن أشير على سبيل المثال لمقاطع الفيديو القصيرة الذي بثها جوميز على حساباته الإلكترونية بمناسبة رأس السنة الميلادية، فنجده في رحلة بالصحراء مع العائلة، يلاطف الصغار ويشرب القهوة ويستمع إلى شرح مبسط عن مكونات العصيدة.. فنجوم عصرنا الآتي ليست مهيبة الجانب، بل غضة قريبة لعموم المواطنين، وبالتأكيد لم يصل جوميز لتلك الفاعلية في استخدام مواقع التواصل منفردًا، فأغلب الظن يقف خلف الأداء المميز فريق من العلاقات العامة ومدراء لحسابات التواصل الاجتماعي على قدر كبير من الحرفية.

استغلال أمثل للحسابات

على عكس بعض نجوم المجتمع والشخصيات العامة ولاعبي الكرة والفنانين، نجد أن فريق جوميز شديد الحرص على استغلال حساباته الإلكترونية في التفاعل مع الجمهور والاحتفال بالإنجازات الكروية والانصهار مع المجتمع المحلي في المناسبات العامة، فلا نجد هناك تغريدة غير محسوبة العواقب، أو تمت بغير مراجعة لغوية ومهنية مُسبقة، لا نجد هناك أيضًا أثر لمشاحنات، أو تصعيد لخلافات في المحيط المهني يتم على مرأى ومسمع من جمهور قوامه ملايين المتابعين، ما يدل أيضًا على وجود استراتيجية إعلامية واضحة لإدارة صورة لاعب الكرة أمام الجمهور إلكترونيًا، وتقديم النصح الملائم لما يتفق مع ما حقق بالفعل من تقدم على المستوى الشعبي. ففي نهاية الأمر خلف كل ظهور إعلامي فريق عمل، ينضبط فيحسن تأطير صورة العملاء أو يلجأ للعشوائية والارتجال فربما يُحسن الصنيع تارة ثم يتراجع مكلفًا عميله عُملة يصعب استردادها وهي حب واحترام الجمهور وتقديرهم.

يستغل الفرنسي كل الفرص المتاحة لإظهار انصهاره في الثقافة المحلية
مشاهدة جوميز وعائلته في «البر» وبالزي السعودي يضيف بعداً على علاقة اللاعب بجمهوره