طائرة البوينج 737 التابعة للخطوط الجوية الأوكرانية كانت في طريقها من طهران إلى تورنتو في كندا حينما أقلعت من المطار الإيراني فجراً وعلى متنها 176 مسافراً لكنها ما لبثت وأن تناثرت أشلاءً في الهواء بعد أن لحق بها صاروخ أرض جوإيراني بعد دقائق من الإقلاع والطائرة على ارتفاع ألفين وأربعمائة متر.

وجاء الإاتراف الإيراني بإسقاط الطائرة متأخراً بعد محاولات النفي غير المجدية وتطابق القرائن ضد النظام، ليتضح نهاية الأمر أنّ الربكة الإيرانية وسوء التقدير الفني والعسكري كانت وراء تفجير الطائرة ليروح جراء هذه الرعونة أرواح بريئة من بينهم أكثر من خمسة عشر طفلاً.

الحادثة برمتها تكشف عن الارتباك الذي أصاب النظام الإيراني بعد قصف سليماني ورفاقه ثم محاولتهم القيام بعملية رد ضعيفة على قاعدة أميركية مغمورة في الأراضي العراقية حيث لم يكن الرد الإيراني بطبيعة الحال على قدر التصريحات التي توعدت الولايات المتحدة بالويل والثبور وعظائم الأمور، وحين غادرت الطائرة الأوكرانية محلقة فوق فضاء الأجواء الإيرانية ازداد تربكة الملالي كيْل بعير، فظنوا أنّها صاروخ كروز مضاد يستهدفهم فقصفوها من دون أن يتبينوا حقيقة الموقف والمشهد، وهنا يتساءل المراقب العادي عن كفاءة المنظومة الإيرانية ليست العسكرية فحسب ولكن الدفاعات والتجهيزات التي يُروِّج لها نظام الملالي ومدى قوتها وجدواها وتشغيلها عند المواجهات الحقيقية، فحادثة الطائرة تكشف الكثير من الثغرات رغم التصريحات الرسمية أنّ الحادثة نتيجة خطأ بشري لكنها تشير في كل الأحوال للاهتزاز الذي أصاب النظام بعد العملية الأميركية التي استهدفت موكب سليماني ثم هو دليل على الحالة النفسية التي يعيشها النظام ككل من الهشاشة والقوة المصنوعة إعلامياً، ورغم التصريحات هذه والاعتراف القاسي بالمسؤولية عن الخطأ بما يشير بوضوح كذلك إلى أنّ القادة هنالك لا يديرون أزماتهم برباطة الجأش المعروفة في مثل هذه المواقف، لكنها تكشف كذلك أنها تصريحات للاستهلاك لا غير، فحادثة مثل هذه كفيلة بالإطاحة وإقالة واستقالة كل المتسببين في هذه الكارثة الإنسانية لحظة وقوعها بل وإخضاعهم لمحاكمات فورية على رؤوس الأشهاد تكفيراً عن ذنب كل هذه الأرواح التي تناثرت أشلاؤها بفعل العنتريات الإيرانية التي ما قتلت ذبابة غير أنها تقتل الأبرياء بلا ذنب طوال سنوات من التحشيد العسكري، والمذهبي في منطقة آن لها أن تعيش بسلام.

وحادثة الطائرة الأوكرانية ستكون لها مآلاتها على بقاء واستقرار النظام الإيراني إن لم يكن على المدى القصير ففي المدى المتوسط حيث انكشف إلى حد ما ما هو خلف أسوار وأسرار حكومة الملالي التي كنا نظنها قوية فإذا بها ترتجف من الطائرات المدنية فوق السحاب فتقصفها جُزافاً.

ومن قبل إبّان حادثة لوكيربي القرية الاسكتلندية التي سقطت فوق أجوائها طائرة تابعة لشركة بان أميريكان حيث أشارت التحريات لضلوع القذافي في توجيه أوامر بتفجير الطائرة ودخلت ليبيا بفعل هذه الحادثة في سلسلة عقوبات دولية طويلة وتداعيات اقتصادية مرهقة انتهت إلى زوال نظام القذافي بطريقة دراماتيكية.

  • كاتب صحفي من السودان