قبل قليل نشر حساب وزارة الخارجية الأميركية تصريح وزير الخارجية مايكل بومبيو موجهًا نداءه إلى الشعب الإيراني المنتفض من المحتجين ضد النظام الإيراني الإرهابي قائلًا: أميركا تسمعكم، وتدعمكم، وتقف معكم بارك الله في الشعب الإيراني. وتزامنًا صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم (الاثنين) 13 يناير 2019 بأنه لا يأبه إذا قبلت إيران التفاوض مع الولايات المتحدة، وذلك بعد أن أشار مستشار الأمن القومي الأميركي روبرت أوبراين في وقت سابق إلى أنه لا يوجد خيار أمام طهران سوى قبول إجراء محادثات. وأضاف ترمب على حسابه في "تويتر" مشيرًا إلى المقابلة التي أجراها أوبراين: "فعليًا لا يهمني إذا تفاوضوا. الأمر يعود إليهم تمامًا، ولكن لا أسلحة نووية ولا تقتلوا المحتجين عليكم".

أعاد لي تصريح وزير الخارجية الألماني الأخير بأن المواجهة بين إيران والولايات المتحدة "قابلة للانفجار وقد تؤدي إلى تصعيد عسكري" تعليق راي تاكيه مستشار الشؤون الإيرانية وأحد أقطاب مجلس العلاقات الخارجية الأميركي وقبل بضع سنوات 2013م أن الرأي العام الأميركي يرى أن الولايات المتحدة هي التي خلقت المشكلة النووية الإيرانية. ومن أجل حماية مصالحها في الشرق الأوسط وضعت إيران في قائمة دول محور الشر بذريعة أن البرنامج النووي الإيراني يشكّل خطرًا على أمنها،

وبالتالي كانت الحكومات الإيرانية - في المقابل - ماهرة في امتصاص الغضب الشعبي الداخلي من الأوضاع المعيشية والاقتصادية السيئة؛ من بطالةٍ وانهيارٍ يغزو الخدمات الحكومية في الداخل الإيراني وفسادٍ وفقر فيما تمكنّت طهران من استغلال القضية بتحويل النووي إلى قضية قومية، لتجعلها تحظى بشبه إجماع وطني وشعبي عام، حتى يساندها الشعب ويدعم البرنامج النووي ويغضّ البصر عن تبديد الثروات على الرؤوس النووية والتخصيب لليورانيوم بغية الاستعداد لعدو - خلقته إيران - أصلًا هو غير موجود!

إن تصريح ‏وزير الخارجية الألماني إبان زيارته هذا الأسبوع لإيران وقوله "لن نصنع المعجزات فيما يخص الاتفاق النووي" على إثر تهديدات النظام الإيراني بالانسحاب من الاتفاق النووي الذي كان بمنزلة مسمار جحا لإيران وحتى الدول التي تظهر عداءً لها أو العكس، والحقيقة تقول إنما هو لتقاطع مصالح سياسية أو فيما يمكن وصفة بأنه في السياسة حتى في اللاتصالح هناك ما يحرس المصالح، ما يجعل إجابة السؤال: ما الخطر الذي كانت ولا تزال إيران تتعرّض له؟! لكان الجواب: لا خطر أبدًا! خاصة بعد زوال نظام صدام وانشغال أميركا بحربها الخاسرة في العراق وتقديمها العراق لإيران على طبق من ذهب! حتى إسرائيل نفسها لا تشكّل كذلك خطرًا على إيران على عكس ما تُروّج له طهران؛ في ظل استحالة أن تُقدِم إسرائيل على أي عمل عسكري ضد إيران خاصة بعد انكشاف الأمر في تقاطع المصالح الإيرانية - الإسرائيلية في سورية.

رغم انكشاف كل ذلك إلا أن طهران - ومع الأسف - استطاعت أن تجوب العالم شرقًا وغربًا وهي تبتسم على الانخراط الغربي في الانحناء لإيران، وبقضية الملف النووي - المُختلقة - تمكّنَتْ من أن تنظر إلى الملفات بالمنطقة على أنها بيدها كلها. وهذا وإن عاد في المقام الأول والتالي فهو بسبب فشل وتكسّب الحكومة الأميركية السابقة حكومة أوباما في إدارة الملف النووي وفي إدارة الملف السوري الذي حقَّق لطهران بأن تصير شرطي العالم عوضًا عن أميركا!

وإن كانت أخيرًا حكومة السيد الرئيس ترمب مع الإدارة الأميركية الحالية قد أدركت أن استقرار أمن الخليج والمصالح الأميركية والعالمية فيه لا يأتي باتفاق نووي، يكون الشأن النووي فيه هو الهامش لا المتن؛ حيث يتبين من الأحداث المتزامنة مع مفاوضات الاتفاق النووي وما تلاه، أنه لم يضمن أي عقوبات أو حد من تطوير الصواريخ الباليستية، وأكبر دليل استمرار التمويل الإيراني للحوثيين، واستهداف المملكة بالصواريخ الباليستية الإيرانية، وكانت النتيجة أن إيران انتشرت عسكريًا في العراق وسورية ولبنان واليمن. فقد أغدقت إدارة أوباما الهدايا على إيران من أجل هذه الاتفاقية على حساب أمن دول المنطقة، وتسببت في هذا الانفلات الخطير وحدوث أسوأ مأساة في تاريخ المنطقة.

فماذا هي فاعلة حكومة الرئيس ترمب؟ ننتظر ونرى، وإن غدًا لناظره قريب..