هذه هي الذكرى الثالثة على رحيل الابنة الغالية أسماء.. مرت السنوات الثلاث لم أتمكن من كتابة كلمة واحدة في هذا الرحيل المبكر بسبب المرض الذي لم يمهلها طويلاً.. كانت سعيدة في الربع الأول من العام 1438هـ لقرب احتفالها بتخرجها بتفوق من الجامعة في تخصص مهم، وكانت قاب قوسين أو أدنى من إحراز النجاح مع مرتبة الشرف الأولى ولكن الأيام كانت قد بدأت العد التنازلي ولم نشعر بذلك إلا من ألم بسيط تحول إلى شكوى أدت إلى مراجعة المستوصف الذي أوصى بإحالتها للمستشفى الكبير الذي طلب التريث حتى ينظر في الإحالة من خلال أهلية العلاج وبعد ساعات انتظار لم نرَ أي فائدة منها، رأيت أن الانتظار هو الجمر ذاته ولذلك نقلتها إلى مستشفى خاص مهما كلف الثمن. هناك اكتشفت الحالة الخطيرة جداً وأن المرض تمكن من أسماء.. والمفارقة أنه بعد عشرين يوماً وصلتني رسالة المستشفى الحكومي تقول «نفيدكم بأنه تم رفض قبول الحالة» ولاتزال الورقة في جيبي، فالمستشفى لا يستمع فيما يبدو لأي شكوى من هذا النوع رغم تكرارها.

المشكلة لم تكن هنا فقط.. ولكن بقلوب بعض الناس.. حيث رفضت المشرفة على المادة العملية ضمن برنامج تخرجها من الجامعة أن تكتب لها الحد الأدنى من النجاح حسب الساعات التي أنجزتها.. ولو من باب فتح ثغرة في جدار وظلمة المرض.. ولكن لم يكن هناك إصغاء ولا حتى استماع لهذه المطالبة الإنسانية حيث كل الدلائل تشير إلى دنو الرحيل والله المستعان..

تذكرت كل هذا وتذكرت أنه في آخر يوم من حياة أسماء عندما كنت أمسك بيدها وهي تناديني بأنين يقطع القلوب وأنا أدرك أن الموت كان في نفس اللحظة يمسك بيدها الأخرى لتذهب إلى بارئها الذي هو أرحم الراحمين.

رحمة الله عليك يا ابنتي العزيزة وأسكنك فسيح جناته فلم أنساك ووالديّ وأختي من دعائي في كل صلاة ولم أعتب على بعض البشر، فإن كان المستشفى الأول رفض فقد قبلها المستشفى الآخر، وإن كانت أستاذة حرمتها من شهادة مادة الدنيا فقد كسبت بحول الله الشهادة التي تنجيها يوم الدين فعن جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:(الشُّهَدَاءُ سَبْعَةٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَالْحَرِقُ شَهِيدٌ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ)...

وداعاً يا أسماء أقولها اليوم بعد أن مرت ثلاث سنوات لم أتمكن من أن أخطها.. ولا أقول إلا الحمد لله أولاً وآخراً، وشكراً لكل من سعى ومن دعا ومن كان له نصيب في تخفيف المصاب وهم كثر بحمد الله.. والحمد لله رب العالمين..