تفرح الدول عندما تنجح خططها لزيادة الإيرادات؛ لأن هذه الزيادة نتيجة لخطط ودراسات طويلة وقصيرة المدى، والدول لكي تصل إلى فائض الإنتاج في الصناعة والزراعة تحتاج إلى التنظيم والإدارة والخطط الطموحة الجادة، وقبل ذلك كله التعليم الممنهج الهادف، إلى أن يغطي المتعلمون أوجه النقص التي من شأنها، إذا سدت رفع مستوى السكان والبلد، في كافة أوجه الحياة؛ وبقدر هذا الفرح بارتفاع مستوى البلد وأهل البلد، يكون القلق من فائض الناس، الذين يشكلون عبئاً لا يستهان به على الغذاء والدواء والطاقة والطرق، ومن أبرز الخطط التي تلجأ إليها الدول، حين تلحظ زيادة في خصوبة نسائها، القيام بحملات إعلامية توعوية منظمة ومكلفة، لإقناع النساء والرجال بالفوائد الجمة لتحديد النسل، بل إن بعض الدول كانت تكافئ الأسرة التي تحقق نجاحاً في هذا الصدد! لكن يظل "فائض الناس" قنبلة عند بعض الدول، خصوصاً ذات الموارد المحدودة، التي تلتهم كل زيادة في الإنتاج، ولم تنجح الدول الأوروبية وبعض الدول في شرق آسيا، لكي تكون لها هيبة أو احترام، إلا عندما تمكنت من السيطرة على زيادة السكان، ووضع الخطط التي تحد من هدر الموارد، في الموارد المائية والكهربائية والزراعية. لكن، وهذا شيء يبدو ألا تفسير له، نجد أن حتى الدول التي أصابت سهماً في الرقي والتطور تشتكي هي الآخر من "فائض الناس" مثلما تشتكي من فائض الإنتاج، في بعض الموارد، لكن فائضهم يبدو أحياناً غير شكل! ففي الولايات المتحدة، أعلنت مجموعة ناشطة، خططها لبناء مدينة حديثة، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، لإيواء مواطنين بلا مأوى (مشردين) في ولاية كاليفورنيا، وستحتوي هذه المدينة على "أنفاق" تحت الأرض، من أجل تقليل اضطراب حياة "المواطن المشرد" الذي اعتاد العيش بلا مأوى لفترة من الزمن! ويقدر عدد المواطنين بلا مأوى في هذه الولاية فقط، بنحو مئة وخمسين ألف متشرد، وسوف يتلقى القائمون على هذا المشروع التبرعات من أهل البر والإحسان؛ لكن التبرعات التي تلقوها لم تتعدَ، حتى نشر الخبر وعنوان موقع الجمعية الثمانمائة دولار فقط! هذا الخبر الصادم فيه عدة مؤشرات، سوف تسر أو تحزن لها، الروائية الهندية/ الإنجليزية "اروند هاتي روي"، مؤلفة الرواية الذائعة الصيت" وزارة السعادة القصوى"، من أبرز هذه المؤشرات أن المتشرد، سيظل متشرداً، حتى لو وفرت له بيئة خاصة، يعيش فيها التشرد على أصوله، مثلما هو موجود في كليفورنيا وعديد من المدن في لندن وباريس والهند وأميركا اللاتينية، وهذه الفئة غير فائض الناس العاديين؛ فهناك العديد من هواة التشرد، يملكون المال، وبقدرتهم العمل، لكنهم يقضون حياتهم وسط الأنفاق وبجوار المقابر، وعلى المقاهي، ولا يهتمون بالنظافة ولديهم السنة تشبه الأسواط، وسلوكيات لا اعتقد أن أحدًا، سيكون قادرًا على ضبطها! هؤلاء هم "فائض الناس" الحقيقيين، وهم فئة ليس من السهل احتواؤها أو إيجاد حل لوضعها، وسوف تجد مشهداً أو نماذج من هذه الفئة، في الرواية الآنفة الذكر، وفي رواية "الغريب" للبير كامو، و"كائنات منتصف الليل" لجورج دو هاميل، والحرافيش لنجيب محفوظ!