السمات الثقافية للشعوب تميزها اجتماعيًا وفكريًا، وتجعلها قادرة على صناعة حضارة ناضجة ومواكبة الحاضر الحالي ورسم المستقبل والتأثير فيه، هذه السمات والميزات الثقافية المجتمعية يتوارثها الأفراد والجماعات، ويختزلها الذهن الجمعي بواسطة الثقافة في معناها الواسع والعاكس لخصائص المجتمع، وإذا أردنا تلمس مظاهر الثقافة الجمعية للمجتمع، فإننا نرصدها في تراثها الأدبي وآثارها، ومن ذلك الأمثال الشعبية المتداولة والأشعار والفنون التشكيليّة والفلكلور الشعبي، التي ترسم لوحة القيم والأخلاق والسلوكيات المعاشة، فالنظرة للمرأة وحقوق الطفل وقبول المخالف وغلبة التسامح والآراء السياسية، إضافة إلى نمط الحياة اليومية وطبيعة الحرف وأساليب التعامل؛ كل ذلك نستطيع من خلاله أن نصف ثقافة المجتمع بالإيجابية أو السلبية.

في العصر الحديث نستطيع تلمس هذه الثقافة المجتمعية من خلال وسائل التواصل الاجتماعي التي أوجدت فضاء رحبًا لتسطير الخواطر ونشر الأفكار واليوميات، التي لم يكن لها مجال للظهور بهذه البساطة بالوسائل التقليديّة ودون رقابة، وكان من نتاج ذلك أن استخدمت الألقاب والمعرفات الرمزية دلالة على التخفي والهروب من سطوة المجتمع ونقد المتابعين، إضافة إلى الحصول على قدر من الحريّة في ظل تعميم ثقافة الصراخ وتبادل السباب والشتم لتؤسس لثقافة العنف والإقصاء، التي تدفع للصراعات وتسعى إلى تسطيح الفكر والتعصب للرأي والحكم على الأشخاص وتجنب مناقشة الأفكار والرؤى وعدم تطويعها لخدمة المجتمع والبعد عن إرساء السلم الاجتماعي وتعزيز قيم التسامح والعمل والانفتاح على الحضارات والشعوب واستيعابها والقبول بها.

تلك السلوكيات السلبية نتاج ثقافة حاولت السيطرة على ثقافة الناس وصنع تيار جمعي مؤمن بها، ولكن لم تستطع المقاومة ولا المدافعة الفكريّة أمام ثقافة مجتمعية مضادة نشأت كردة فعل للبحث عن ذاتها المسلوبة، ساعية إلى بناء هويّة مجتمعيّة تعترف بالإنسان أولًا وباحترام القيم الأخلاقية، وتسعى إلى نشر السلام وتحقيق التعايش والبحث عن وسائل التنمية وبناء الأرض، واعتبار التعدديّة قوة إذا أُحسنت إدارتها، ووضع اعتبار لمقام الفرد بتحقيق حريّته المبنية على أحقية في الاختيار وبمسؤوليته الشخصية من الناحيتين القانونية والشرعية.

ومن واقع المجتمعات البشريّة نجد أن الهويّة الوطنية هي الأقوى والأبقى والأدوم، فعليها يجتمع ويجمع الجميع، وفيها تتحد الصفوف وتطيب النفوس، وبرموزها يفخر الناس ويفاخرون، وبالتاريخ والأمجاد يستقوم الحكم والأخلاق، وللمستقبل يصنعون الرؤى والخطط، فلذلك نجد بلدًا كالمملكة العربية السعودية متعدد الثقافات المحلية، وثري بالتنوع الاجتماعي، يجتمع أفراده على معنى الوطن وخدمته والفخر به، فلا هوية تضاهي ذلك، وطن إنساني يضم الجميع ويسعد الجميع بين جنباته، طموحهم رؤية توحدهم لصناعة تنمية مستدامة عبر مشروعات وخطط ومبادرات نوعية بدأنا نلحظ نتائجها بكل فخر واعتزاز، وكلنا طموح في المستقبل القريب في إزهار ونماء ومجتمع حيوي فاعل، يقول الكاتب الفرنسي بول بورجيه: (يجب أن نعيش كما نفكر، وإلا اضطررنا عاجلاً أو آجلاً أن نفكر كما نعيش).