السَّرفُ في آثارِ الحُبِّ والبغض، والمشاعرُ الجيّاشةُ لا يتحكَّمُ البشر فيما يقوم بالقلب منها، لكن لا يُعفى الـمُكلَّفُ من وزنِها بميزانِ الاعتدال والوسطية، فليس له الانجرار وراء مشاعر مودَّةٍ جامحةٍ تُفقِدُهُ اتِّزانَهُ، أو تُوقعُهُ في أشياء نُهيَ عنها، أو أشياء تُزري بمقامِهِ، أو تُلهِيهِ عن واجبٍ مكتوبٍ عليه..

الإسلام دين توسُّطٍ واعتدالٍ، وقد انبثق نورُهُ وأغلب البشرية مُنهمكون في تفريطٍ شديدٍ في الغفلة عن العمل لما خلقهم الله من أجله، ومنهم مُفرِّطون غالوا فانقطعوا عن الناس وصاروا رهباناً لا يُفارقون محالَّ عبادتهم، فصحَّح الإسلام كلا الخطأين بالأخذ بأيدي الناس إلى إخلاص العبادة لله، وتقريره أن لا رهبانية في الإسلام، ورَسَمَ حياة المسلم فيما يتعلق بعباداته ومعاملاته وأحاسيسه وتصرفاته في دائرةٍ مُحكمةٍ من الاعتدال والوسطية، وكان في الكتاب والسنة القولية والفعلية ما يُبيِّنُ ذلك، ولا يدع فيه مجالاً للتخرُّص، وعلى هذا جَرَتْ حياة السلف الصالح من الصحابة ومن تبعهم بإحسانٍ في كل العصور، وكل ما تحقّق فيه أنه سَرَفٌ وتجاوزٌ للحدِّ فهو مذمومٌ شرعاً، وما ثبت أنه لا يُذمُّ شرعاً فلا شكَّ أنه لم يخرج إلى حدِّ السَّرفِ، والسَّرفُ يقع في مجالات الحياة الدينية والدنيوية، ومن مجالاته:

أولاً: السَّرفُ في الطاعة، وهو مذمومٌ، ويُخرجُها عن شرعيَّتِها، ولو ساغَ السَّرفُ في شيءٍ لساغَ فيها، ومن ذلك الصمت عن الكلام مُطلقاً خشية التفوُّه بالحرام، والذي يتبادر لبعض الأذهان أنه من الحزم في اتّقاء المحارم، وأنه إنجازٌ في سبيل ضبط النفس، لكن لما كان متجاوزاً للحدِّ مُخرجاً عن الاعتدال نُهيَ عنه، فعن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قال: حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ، وَلَا صُمَاتَ يَوْمٍ إِلَى اللَّيْلِ» أخرجه أبو داود وغيره وصحّحه الألباني، ومنه الإعراض عن النكاح والنوم واستدامة الصوم بلا فِطرٍ، ولما طمحت نفوس بعض الصحابة إليه أعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم أن طريقته في العبادة هي طريقة النجاة، وقال لهم: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» متفقٌ عليه.

ثانياً: السَّرفُ في المعصية، وإذا ذُمَّ السَّرفُ فيما الأصل فيه أنه محمودٌ مطلوبٌ، فمن باب أولى أن يُذمَّ السَّرفُ في المعاصي التي هي كُلُّها شرٌّ، والإسرافُ في المعاصي يكون بإدمان الصغائر، واقتراف الكبائر، وعدم التوبة والإنابة إلى الله تعالى، ويتفاقم الإسراف في المعاصي إذا انضمَّ إليه القنوطُ من رحمة الله بأن يُسوِّلَ الشيطان للمُبتلى بالموبقات أن ابتعاده عن ربِّهِ يَسُدُّ عنه باب التوبة والإنابة، وبهذا يتمادى في غيِّهِ، ولا يُفكِّرُ في التوبة، وقد تفضَّل الله على عباده بتبديد هذا الهاجس فقال: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).

ثالثاً: السَّرفُ في البذل والعطاء، وبذلُ المعروفِ من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، والناس يتمادحون به ويَعُدُّونَ الكرم من المفاخر والمزايا الحسنة، وجاء الإسلام فرغَّبَ في العطاء، بل جعل أحد أركان الإسلام الخمسة الزكاة التي هي بذلٌ واجبٌ بشروطه وقيوده المعروفة، ولكن حذَّرَ من الإسراف في البذل، وذمَّهُ ذمّاً واضحاً فقال الله تعالى: (وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً) ثم قال بعد ذلك: (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً).

رابعاً: السَّرفُ في الأكل والشرب، وقد فتح الله على من شاء من عباده ما شاء من البسط في الرزق، وأباح له الطيبات، لكن نهى عن الإسراف في الأكل والشرب، قال تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)، وفي النهي عن الإسراف في الأكل والشرب حِكَمٌ عظيمةٌ من بينها عدم تعويد الجسم على الرفاهية الزائدة التي تقعد بالمرء عن معالي الأمور، وقد تحول بينه وبين الإكثار من الطاعات، أو تعود على صحته بالأضرار الجسيمة.

خامساً: السَّرفُ في آثارِ الحُبِّ والبغض، والمشاعرُ الجيّاشةُ لا يتحكَّمُ البشر فيما يقوم بالقلب منها، لكن لا يُعفى الـمُكلَّفُ من وزنِها بميزانِ الاعتدال والوسطية، فليس له الانجرار وراء مشاعرِ مودَّةٍ جامحةٍ تُفقِدُهُ اتِّزانَهُ، أو تُوقعُهُ في أشياء نُهيَ عنها، أو أشياء تُزري بمقامِهِ، أو تُلهِيهِ عن واجبٍ مكتوبٍ عليه، كما أنه يجب عليه أن يُداري مشاعر البغضِ والحزازةِ التي يستشعرُها تجاهَ بعضِ الناسِ، فلا يسمحُ لنفسِهِ بمعاملةِ الـمُبغَضِ انطلاقاً مما يُكنُّ له في صدره؛ ولهذا لم يُترك الخيارُ للمسلمِ في موضوع الهجران، فَلَمْ يُبَح له هجر أخيه أكثر من ثلاثة أيام، ففي هذه الحدود الضيقة سُمِحَ بمداواةِ الـمُغاضبةِ بشيءٍ من الهجر يكون مَعتَبَةً وتجديداً لقواعد التعامل، ولم يُجَز الإسراف في ذلك بالتمادي فيه.