إن صدق هذه القناعة يتمثل في أن تحب كل شيء في الحياة، وأن تنهل منها ما تريد دون أن تبدد الأوقات بالشكوى والتمني، وتلك هي حياة البسطاء.. يحبون الحياة كلها، إن أمطرت السماء ابتهجوا، وإن اشتد الحر تفاعلوا معه..

في ربيع من العام 1774م كتب جوته النص الأول لروايته (آلام فرتر) وما بين العام 1782م والعام 1787م كتب النص الثاني للرواية.. الرواية كانت تلخيصًا روائيًا للتناقضات الاجتماعية السائدة في عصر التنوير الألماني، وإن كانت في جانب آخر القبول الواعي بالبساطة كشكل من أشكال الحياة الإنسانية فالبساطة تزدهر في أجواء التأمل.

تقول إحدى مقاطع الرواية: إن الابتعاد عن البسطاء من أجل الاحتفاظ بالاحترام يعد فقدانًا للحس الإنساني، وهذا يحيلنا إلى مفهوم البساطة كأحد أنماط الوعي الإنساني.

فالحياة غير المعقدة التي لا تسمح بتداخلات الغير، تطلق العنان للبساطة ولذلك تعد القدرة على الاستمتاع إحدى السمات الملازمة للبساطة وهي بتعبير آخر القدرة الفائقة على العيش بفاعلية في كل لحظة من لحظات الحياة.

ولكن كيف يتسنى لنا ذلك؟

لنلقي نظرة على ما يقوله د. واين دبليو داير من خلال تجربته الفلسفية والنفسية يقول: أستطيع أن أقف على تلك الصفات التي يتمثلها البسطاء في حياتهم فالشيء الأكثر وضوحًا في فلسفة البسطاء الانسجام التام ما بين الفكر والمشاعر.

إن صدق هذه القناعة يتمثل في أن تحب كل شيء في الحياة وأن تنهل منها ما تريد دون أن تبدد الأوقات بالشكوى والتمني وتلك هي حياة البسطاء يحبون الحياة كلها، إن أمطرت السماء ابتهجوا، وإن اشتد الحر تفاعلوا معه، وإن كانوا وسط زحام مروري أو في حفل ما أو حتى بمفردهم تعاملوا ببساطة مع الموقف فلديهم نوع من القبول الواعي بما هو كائن والقدرة غير المألوفة على الابتهاج، في واقع كهذا يعتبرون المطر شيئًا جميلًا والحر الشديد لا يولد لديهم شعورًا بالاستياء يتقبلونه على أنه جزء من حياتهم، محبون للحياة وينخرطون في شتى جوانبها لينهلوا منها ما استطاعوا.

ليس لديهم شعور بالذنب أو أي شكل من أشكال القلق المصاحب لذلك الشعور لكنهم لا يضيعون وقتهم في التحسر على أنهم فعلوا هذا الشيء أو لم يفعلوه، يرون أن ما عاشوه من الحياة لا حيلة لهم فيه وأنه لن يغير شعورهم بالاستياء من الماضي، ففي فلسفتهم أن التعلم من الماضي أسمى من الاعتراض عليه، لا يبددون لحظات حاضرهم في انتظار المستقبل أو التفكير في الماضي.

لديهم وعي كامل بأن لحظات الحاضر هي كل ما لديهم، ولذلك فهم لا يخططون لحدث مستقبلي فيبددون فترات طويلة من حياتهم في انتظار قدوم هذا الحدث، فاللحظات التي بين الأحداث هي لحظات يمكن أن تُعاش مثلها مثل تلك اللحظات التي تقع فيها الأحداث، ولذلك لديهم قدرة على أن يعيشوا الحاضر بسعادة، وعندما يأتي المستقبل ويصبح حاضرًا يعيشونه كذلك لأنهم يدركون مآسي الانتظار في الوقت الذي يقضي فيه معظم الناس حياتهم في انتظار الحصول على المكاسب التي لا يحصلون عليها أبدًا.

تقوم علاقاتهم على أساس الاحترام المتبادل بأحقية كل فرد في أن يتخذ قراراته بنفسه، فعلاقاتهم لا تنطوي على فرض قيمهم وإرادتهم على الآخرين، يؤكدون على الخصوصية ومتحررون عادة من آراء الآخرين ولذلك لا تعنيهم تقييمات الآخرين.

إذا أردت أن تعرف ما يعتقدونه فهو نسخة طبق الأصل لما يقولونه، ليسوا في حاجة إلى أن يتقبلهم كل إنسان ولا يبحثون عن استحسان الآخرين.

يرون أنفسهم في حدود البشر وأن طبيعتهم تنطوي على سمات وخصائص بشرية يتقبلون أنفسهم وطبيعتهم وبالمثل يتقبلون الحياة بأكملها وبحالها التي هي عليها، دونما أن يتمنوا أن لو كانت على غير ذلك ويتقبلون العالم على النحو الذي هو عليه.

لهم رؤية وإدراك لسلوكيات الآخرين فما قد يبدو بالنسبة للآخرين معقدًا أو مطلسمًا يُرى من جانبهم على أنه واضح ومفهوم فالمشكلات التي تعيق الآخرين تعتبر بالنسبة لهم مجرد أشياء ثانوية فغياب الاستغراق العاطفي في المشكلات عندهم يجعلهم قادرين على التغلب على العقبات التي تظل في نظر الآخرين أسوارًا يستحيل تخطيها فالمشكلة في نظرهم ليست أكثر من كونها عائقًا يمكن التغلب عليه.

لا يكتفون بما يعرفون بل يستمرون في البحث عن المزيد ولديهم الرغبة دائمًا في التعلم في كل لحظة من لحظات حياتهم يبحثون عن الحقيقة بهدف التعلم ودائمًا ما يكونوا متحمسين لتعلم المزيد.

لا يخشون الفشل، فالفشل ليس إلا وجهة نظر ولا يجعلون من نجاحهم في أي عمل ينجزونه مقياسًا لنجاحهم كبشر ينظرون لأي حدث خارجي بموضوعية يتعاملون بفاعلية مع ما هو كائن بالفعل لا فيما يرغبون أن يكون، ولا يعرفون اللوم ولا يتحدثون عن الناس بل يتحدثون معهم.

ولا يشعرون بالحاجة إلى أن تنسجم الأشياء والناس مع تصوراتهم فهم لا يُوجبون على أحد شيئًا بل يعتبرون أن لكل فرد الحرية في أن يختار لنفسه ما يشاء، ولا يرون أن العالم ينبغي أن يسير على نحو معين ويرون أنفسهم جزءاً من الإنسانية جمعاء، ويرون الناس جميعًا على أنهم بشر.

ليس لديهم مجال للكراهية فكل يوم يمثل لهم حياة جديدة، لو نستطيع أن نقدم لهم من أنفسنا بقدر ما هم مستعدون أن يقدموا من أنفسهم لنا وللحضارة التي نمثل لكان عملًا ذا قيمة كبيرة في أنفسهم البسيطة وفي أنفسنا أيضًا، ولكن الحياة تسير فلا أقل من أن نحسن لقاءهم، نمر بهم أحيانًا في حياتنا العاجلة، وقد لا تطول وقفتنا معهم - وليتها تطول - ثم يمضون ونمضي.