سلــوك الإنسان وعلاقاته تعتمد على أدواره الاجتماعيـة التـي يشغلهــا فــي داخل المجتمــع، ومنــزلـته الاجتماعية تعتمد على طبيعة هذه الأدوار، وتنطوي على ذلك واجبــات وحقوق حسب طبيعة الــدور، وبالطبع لا يشغل دورًا اجتماعيًا واحدًا بل يشغل عدة أدوار تقــع في مؤسســات مختلفـة (الأسرة، العمل، القبيلة، الجيران.. إلخ)؛ فهناك أدوار ذات طبيعة قيادية كدور الأب في الأسرة والمعلم في المدرسة، وأدوار وسطية كدور العم والخال، وأدوار قاعديــة كدور الأبناء في الأسرة والطلاب في المدرسة.

التوقع من كل دور يحدده تصرفات الأفراد، وتتصل بعضها ببعض لتكوّن شبكة العلاقات الاجتماعية، فهناك ما يسمى التوقعات السابقة التي تحوي قواعد اجتماعية تحدد السلوك وتوضح كيفية التصرف حسب الظروف. وهناك توقعات الآخرين التي يشترك فيها الفرد في عملية التفاعل الاجتماعي مع الآخرين، فيأخذ بالاعتبار تقييم وأحكام الناس الذين يتعامل معهم؛ لأن التوقعات التي ينتظرها الفرد من الآخر هي نفسها التي ينتظرها الآخرون منه. وهناك توقعات المجتمع العام التي يمكن أن تكون حقيقية أو وهمية، وتعمل بمنزلة إحدى وسائل الضبط الاجتماعي في مراقبة سلوك الفرد؛ لأنه يشعر بأن المجتمع يتوقع منه سلوكيات وتصرفات وأفعالًا في مواقف مختلفة وأوقات مختلفة حددها العرف الاجتماعي.

تختل تلك التوقعات عندما لا يكون هناك وضوح الدور بسبب عدم اتفاق أفراد المجتمع على ما هو متوقع، وأيضًا بسبب صراع الأدوار نتيجة اشتغال الفرد بعدد من الأدوار أو تنازله عن دوره الطبيعي؛ فيؤدي ذلك إلى فراغ اجتماعي أو ما نسميه الدور الخالي، وتكون نتيجته اضطرابًا في سلوكيات أفراد المجتمع بسبب انعدام الضبط الاجتماعي، ويتجلى ذلك في واقعنا الحاضر في عدد من الوقائع التي تبرز فيها الأثر المباشر للأدوار الخالية؛ فعندما يتخلى الأب والأخ والمعلم والجار والمربي والمثقف والإعلامي عن دوره، سنجد تلك السلوكيات التي تحدث من المراهقين الصغار أو من الشباب أو حتى من الكبار نتيجة انعدام الرادع الاجتماعي للأخلاقيات والسلوكيات المسيئة كالتحرش وانتهاك الخصوصية وإيذاء الآخرين والتعدي على الأماكن العامة.

ومن جهة أخرى، نرى مشروعات الطرق التي أنجزتها وزارة النقل؛ فهل الوزارة هي المسؤولة عن تهور السائقين في القيادة؟ ونشاهد مشروعات الحدائق التي قامت بها ووزارة الشؤون البلدية والقروية؛ فهل الوزارة هي المسؤولة عن عبث العابثين بها؟ بالطبع لا يمكن أن نمنع الطرق، ولا أن نغلق الحدائق بسبب سوء سلوكيات البعض، ولكن يأتي هنا أهمية المحاسبة لكل متهور ومعتدٍ بوضع القوانين الصارمة وتطبيقها، ونجد أن نشر الوعي والقيام بالتربية هذا هو دور مؤسسات وأفراد آخرين؛ كالبيت والمدرسة والمسجد والإعلام والشرطة والنيابة، وعندما يتخلى هؤلاء عن دورهم فمن الطبيعي أن تعم الفوضى، ولنقس ذلك إلى كل المشروعات سواء لهيئة الترفيه أو لهيئة السياحة.. إلخ.

فلنستشعر أهمية دور كل منّا في المجتمع، ولنملأ أدوارنا الخالية التي هي أمانة على عواتقنا حتى لا يملأُها غيرنا بما لا يسر ولا يرضي.