يقدم العديد من المؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي خطاباً جماهيرياً يعتمد على التأثير العاطفي، والذي يسهم بدوره في تشكيل المفاهيم الشعبية لدى الناس حول قضاياهم الاجتماعية والدينية وحتى الاقتصادية والسياسية، ومع مرور الوقت وفي وجود كاريزما شخصية؛ تتم برمجة المفاهيم بما يريده الموجّه لها وفق أيديولوجية وأهداف معينة، لها اعتبارات لا تنطلي على أبسط متأمل، فيتم غرس معانٍ محددة لمفاهيم تمت برمجتها في العقل اللاواعي، مما يجعل منها عقيدة راسخة لا تقبل المناقشة ولا المراجعة وبالذات لو تم ربطها بالدين.

من أمثلة تلك المفاهيم التي تمت برمجتها بطريقة خاطئة هو مفهوم "الاختلاط"، فهو مصطلح له معنى عام يشير لتداخل المتناقضات والمتباينات بعضها مع بعض، وفي إطار المجتمع البشري يُقصد به وجود الذكور والإناث بعضهم مع بعض في مكان عام؛ مثل العمل أو الدراسة أو السوق.. إلخ، وهو الوجود الطبيعي للبشر مع بعضهم البعض.. ولكن، نجد من قام بتحريف هذا المعنى الإنساني، وتوجيه المتلقي - أو التابع - لمعنى آخر مغاير وفق تصورات افتراضية مبنية على أسس غير منطقية، وليس لها واقع وجودي، فتمت برمجة عقل الأتباع على أن الاختلاط في العمل هو وسيلة "للتحرش"، ووسيلة للتهاون والتمادي في التعامل بين الجنسين بكل أريحيّة وبساطة، وذلك بإعطاء تصور ذهني مسبق عن شناعة الأمر وما قد ينتج عنه بافتراضات شنيعة تأنفها النفس السوية، مما ينبني عليه إطلاق أحكام فقهية وأحكام مجتمعية ومحاسبة ثقافية.

قد يكون منشأ هذا التصوّر المغلوط هدفه "الخير"، وهدفه "النصيحة"، وهدفه "حماية المجتمع"، ولكن نجد أن الطريقة المستخدمة فيها سذاجة وسطحية وتحوير عن المعنى الحقيقي للاختلاط، وهنا يتضح ضعف المنطق المستخدم في الوصول للنتائج، لذلك من الشناعة على أي شخص أن يتحدث بما لا يعرف أو بما لم يستوعبه عقله، إضافة إلى أن مصادر التلقي التي عاش فيها الشخص هي التي قامت بتشكيله بطريقة مزرية، وصنعت له منظاراً أعمش يحكم على الأمور من خلاله، ويعمل إسقاطات وقياسات في غير محلها.

هذه هي نتيجة التسليم المطلق للآخرين والسماح لهم ببرمجة العقل وفق توجهاتهم الفكرية دون مراعاة لمنطقية المعاني المعرفية لحقيقة المفاهيم المتداولة، وبقدر ما نلوم الشخصيات المؤثرة بضرورة مراعاة الصدق والمنطق والوضوح عند مخاطبة الجماهير، فإننا نلوم المتلقي الذي وهبه الله العقل والتفكير وإمكانية البحث والسؤال وعدم التسليم التام للمعاني المبرمجة سلفاً لمفاهيم ومصطلحات متداولة ومألوفة.

والواقع يشير إلى أنّ الذين فشلوا في الواقع العملي ينتقمون من فشلهم بإرساء المفاهيم المغلوطة، وعلى هؤلاء المؤثرين مسؤولية الاهتمام بالمحتوى المطروح، فليس من المعقول أن يعطوا رأياً في كل شاردة وواردة من مناحي الحياة.. يقول الكاتب الفرنسي أندريه جيد: معظم النزاعات تنبع عن سوء فهم تم تضخيمه.