عادت الهجمات الإرهابية إلى شوارع أوروبا؛ حيث شهدت مدينتا لندن البريطانية ولاهاي الهولندية الأسبوع الماضي حادثتين مؤسفتين روع فيهما الإرهابيون الأبرياءَ، واستخدم فيها المهاجمون السكاكين، وهو ما يوحي أن مرتكبيها ذئاب منفردة قاموا بها دون تخطيط مسبق، لكن ما حدث أعاد إلى الذاكرة كوابيس بشعة عانت منها عدد من المدن الكبرى حول العالم.

منذ تفكيك تنظيم داعش الإرهابي، بدأ العالم يسترد أنفاسه تدريجيًا، وعاد الشعور بالأمان النسبي إلى المجتمع الدولي، إلا أن مقتل زعيمه البغدادي جعل الجهات الأمنية في حالة استنفار كبيرة خشية وقوع هجمات انتقامية، البغدادي لم يكن أبدًا لاعبًا مهمًا في معادلة الإرهاب، ولا يمكن مقارنة تأثيره مثلاً بتأثير ابن لادن، الذي اعتاد الظهور وبث الرسائل التحفيزية لأتباعه، ولذلك فإن مقتله رغم أهميته لا يعد إيذانًا بهزيمة التنظيم الأكثر دموية على مر التاريخ.

ما مر به داعش خلال الفترة الماضية هو نكسة تمثلت في تفكيكه جغرافيًا، ومن يعتقد أن الخطر الأيديولوجي للتنظيم قد زال فهو واهم، فالدمار الفكري الذي خلفه يحتاج إلى عمل طويل الأمد ويقظة مستمرة، والأهم هو معرفة الأوكار الافتراضية التي يتخبأ فيها من يروج فكر التنظيم وتدميرها تمامًا، وذلك لكيلا يتمكن من إعادة ترتيب أوراقه وخلق أتباع جدد؛ ومن يتابع نشاط التنظيم يعرف تمامًا أن الخطر الحقيقي لا يكمن في طرق التجنيد التقليدية التي تتم وجهًا لوجه؛ لأن هذا الأسلوب محفوف بكثير من المخاطر، خصوصًا بعد اختراق الخلايا والتنظيمات وسهولة انكشافها.

الإشكالية الكبرى تكمن في التجنيد الافتراضي، ومع الأسف ما زالت المنصات الإلكترونية المكان المفضل للتجنيد؛ نظرًا لصعوبة تتبعها، إضافة إلى أن الشركات المسؤولة عنها لم تعمل بالجدية اللازمة لتعقب الحسابات المتطرفة. وربما لاحظ كثيرون ازدياد نشاط الجماعات الإرهابية في الآونة الأخيرة عبر منصة تويتر وبثهم، عبر الوسوم الأكثر سخونة، رسائل تحمل مقاطع ترويجية لنشاطات التنظيم.

وأخيرًا، لا يلوح في الأفق أن نشاط الجماعات الإرهابية قد انتهى، والتعويل على خموله هو إحدى النكسات الخطيرة في الحرب عليه، فالأمر يتطلب جهودًا مضاعفة وممارسة ضغوطات أكبر على الشركات التي تمتلك العالم الافتراضي. كما يجب ألا تغفل الجهات الأمنية حول العالم عن الخطر المتصاعد من جماعات اليمين المتطرف والنازيين الجدد الذين يمثلون أيضًا تهديدًا كبيرًا للسلم العالمي، وينشرون أفكارًا مليئة بالعنف والكراهية وإقصاء الآخر، ولذلك تجب مواجهة هذه الجماعات وحاضنها بالجدية والصرامة نفسيهما اللتين يتم التعامل بهما مع أي تنظيمات متطرفة أخرى.