إن عملية إعادة إحياء الأحياء المتدهورة هي واحدة من أكبر المشكلات وأكثرها صعوبة في مدن العالم اليوم، والتي تتزامن عادةً مع تمركز طبقة محدودي الدخل في تلك الأحياء أو حتى تحول البعض منها لأحياء تستوعب العمالة ومخالفي نظام الإقامة وبالتالي صعوبة المهمة في تحسين مستوى تلك الأحياء.

إن من أهم الأمور التي يجب التنبه لها لتقليل نسبة الأحياء المتدهورة في المدن هو مراقبة عملية التوسع والتمدد العمراني حيث تتسبب تلك العملية في فقدان السيطرة على الأحياء القديمة مقابل الأحياء الجديدة التي تستقطب السكان عبر تحركات الهجرة الداخلية من الأحياء القديمة نحو الجديدة، والحذر كل الحذر من إغفال النظر للأحياء المتدهورة وساكنيها مقابل الأحياء الجديدة التي تستقطب السكان من ذوي الدخل المرتفع فالتجارب العالمية تحكي عن قصص مؤلمة أدت لتكوين أحياء الفقر المركز.

عادةً يتبادر للذهن عند التطرق لموضوع تحسين أوضاع الأحياء المتدهورة الجانب العمراني والبنية التحتية وهذا جانب بلا شك مهم ولا يمكن إغفاله فالبيئة المبنية تؤثر سلوكياً ونفسياً على ساكنيها، لكن التوجه الجديد أصبح ينظر إلى جانب ذلك لعملية تحسين ورفع المستوى الاقتصادي للسكان وتوفير البيئة والفرص الممكنة لذلك، وهناك ركائز مهمة لتحقيق هذا الأمر من أهمها دراسة الخصائص الاجتماعية والاقتصادية للسكان في أي منطقة متدهورة والعمل على تحديد البرامج المهنية التي تساعد في رفع المهارات وتحسين مستوى القوى العاملة في الحي والتحفيز الإيجابي للقوة البشرية في تلك الأحياء وبالتالي تحسين مستويات الدخل، علاوةً على ذلك تحديد جملة من الفرص الاستثمارية التي ممكن أن تساعدهم في تنفيذ أعمال تجارية خاصة في الحي أو استلام مهام معينة من شركات ومقاولي التطوير أثناء أعمال تحسين الحي، وأيضاً توفير برنامج للتمويل المالي وفقاً للقدرات المهنية لسكان تلك الأحياء لتساعدهم في القيام بمشروعات ناشئة، ويتلخص الأمر الذي أود الوصول إليه في هذا المقال تحديداً في تطبيق فكرة تنمية القوى البشرية للأحياء المتدهورة وتحويلها إلى قوة اقتصادية من خلال العمل المتزامن بين الجانب المعتمد على التطوير العمراني الذي يشمل أعمال الترميم وتطوير البنية التحتية وتحويلها إلى بيئة صحية ملائمة للسكن، والجانب الاجتماعي الاقتصادي من خلال تخفيض تكاليف السكن وتوفير التمويل والإعانات الحكومية وتشجيع السكان على التعليم والتدريب وتوفير فرص العمل الذاتي.

  • متخصص في التخطيط العمراني والتنمية