في ظل التقلُّبات الكثيرة التي تشهدها قطاعات الأعمال حول العالم، يجد الكثير من خريجي الجامعات أنفسهم طرفاً متأثراً بتلك التقلبات، ما يفرض عليهم المكوث ضمن إطار وظيفي ضيّق تارةً، أو الانتقال من مؤسسة إلى أخرى على امتداد فترات زمنية قصيرة تارةً أخرى، وهذا بدوره لا يشعرهم بالأمان الوظيفي، ويؤثّر بدرجة كبيرة على حياتهم الاجتماعية.

وبعيداً عن واقع أسواق العمل في العالم العربي وخارجه، ربما لا يلاحظ البعض أن فقدان موظف لوظيفته قد يرتبط في كثير من الأحيان بكونه ليس مؤهلاً حتى للحدود الدنيا لتنفيذ أعمال مؤسسية في تخصصه ومجال دراسته الجامعية، وهذا إما أنه يرجع لضعف تحصيله الدراسي الجامعي، أو لسوء المخرجات التعليمية لجامعته التي تخرج منها، أو لعدم حصوله على التدريب الكافي بعد التخرج.

ومع بروز ظاهرة العمل الحر والتي ساعدتها التكنولوجيا على ترسيخ أقدامها في سوق العمل العالمي، برزت العديد من المخاوف التي تحظى بالكثير من المنطق في كون بعض أو كثير من العاملين عن بعد يفتقرون إلى الحد الأدنى من التأهيل الأكاديمي أو الخبرة الكافية لتنفيذ الأعمال التي تطلب منهم بذات الدرجة التي تقوم المؤسسات الرسمية بتنفيذها، وهنا إذاً نتحدث عن مقارنة بين شخصين تخصصا في ذات التخصص أحدهما موظف رسمي والآخر يعمل عن بعد لحسابه الشخصي، والذين جربوا الحصول على خدمات من متخصصين يعملون عن بعد يدركون حجم الأزمة ومدى سوء الأداء الذي يدير به العاملون عن بعد العمل مع عملائهم.

فما السبب؟ هل بعض جامعاتنا العربية أو كثير منها تأخرت وتراجعت إلى درجة أنها أصبحت شديدة البعد عن العمل وفق رؤية تتناسب مع متطلبات الأعمال اليوم واشتراطاتها؟ في الحقيقة الجواب هو نعم، وإلا كيف يمكن أن نفسّر افتقار خريج جامعي للحد الأدنى من المعرفة في تخصصه عند تخرجه، فنراه يمارس العمل وكأنه لم يلتحق يوماً بالجامعة! ما يطرح علامات استفهام كبيرة ومُقلِقَة لأننا هنا نتحدث عن ظاهرة جماعية إلى حدٍ ما ولا نتحدث عن حالات فردية.

كثيرٌ من الجامعات الخاصة في العالم العربي تختبىء خلف أسماء لامعة وبراقة، أو خلف مبانٍ حديثة، أو أنها تلتجىء إلى تلميع صورتها السوقية عبر الإعلانات والإنفاق ببذخ على التسويق والعلاقات العامة، ولكن خريجي تلك الجامعات حين يلتحقون بسوق العمل يمثلون أزمة حقيقية لتلك الجامعات، فلا يمكن أن تخبىء القصور في أدائك كمؤسسة أكاديمية عليا إلى ما لا نهاية، لأن مخرجاتك التعليمية الضعيفة كمؤسسة جامعية لابد وأنها سريعاً ستكون تجربة غير سارة سيتعرض لها من سيبدأون بالتعامل مع سفراء هذه الجامعة أو تلك وهم الخريجون، فهل تعي بعض جامعاتنا العربية الخاصة هذه القضية وتبدأ بأخذها على محمل الجد؟