دخول الإسمنت لمجال البناء أدّى لتغيير شامل وحديث في مفهوم البناء، ونقل المسكن من المرحلة البدائية التي كانت تعتمد على الطوب اللبن والحجارة والأسقف الخشبية، إلى مرحلة الخرسانة المسلحة التي تستخدم الهياكل الخرسانية، كان هذا هو الجيل الأول من البناء الذي تلا الشكل البدائي أو القديم. ورغم استقرار هذا الشكل لسنوات طويلة بحيث سيطر على قطاع العقار في مختلف أرجاء العالم إلاّ أنه سرعان ما تطوَّر مدفوعًا بثورة تقنية ضخمة وكبيرة نقلته عدة مراحل بين فترة وجيزة جداً؛ حيث ناطحات السحاب، ثم المنزل التقني، ثم المنزل الترفيهي الجاهز، ثم المنزل المطبوع بتقنية الـ3d.

المملكة خلال تاريخها كانت مركزاً للنمو العمراني والتوسع الكبير الذي مرَّ بتحديثات هائلة، وشهد بداية تقنية البناء بصورة محدودة في عدة مشروعات حكومية مثل: مشروع الإسكان الذي نفّذته جامعة الملك سعود، ومساكن شركة أرامكو بالظهران، وفي الفترة الأخير وضمن رؤية 2030 بدأت المملكة تستلهم هذه التقنية لتكون توجهًا جديدًا في تغيير مفهوم البناء والسكن، وتقدم حلولًا عصرية للمواطن. فتقنية البناء الحديث تقوم بالأساس على إعداد مكونات المسكن وجدرانه وأسقفه بمصانع متخصصة، ثم يتم نقلها إلى الموقع لتركيبها فيما بعد بواسطة متخصصين على الهيكل الخرساني أو الحديدي؛ لاختصار وقت بناء المنزل إلى أقل من نصف الوقت، الذي يستغرقه بناء المنزل بطريقة تقليدية.

إذا كان الهدف أن يتملك نحو 60 % من المواطنين منازل خاصة؛ فكان التوجه لاستخدام التقنية أمراً مهماً وضرورياً، وذلك من خلال إطلاق العديد من المبادرات التي تعمل على توفير السكن للمواطن، وكان أبرزها (مبادرة تحفيز تقنية البناء)؛ كواحدة من مبادرات القطاع الخاص الرائدة في مجال تطوير البناء وتقنياته، وتتخذ من عبارة (البناء يتحول) شعارًا لها.

وتهدف المبادرة التي يعمل على تنفيذها برنامج الإسكان وبرنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية، إلى تسليط الضوء على تقنيات البناء، ووفق رؤية 2030 التي تهدف إلى جذب الاستثمارات المحلية والدولية وتوطين صناعة تقنية البناء محليًا لتوفير مساكن حديثة وعصرية للمواطن السعودي، ودعم المطورين والمقاولين وحثّهم على استخدام هذه التقنيات.

للمبادرة عدة أهداف منها رفع الطاقة الإنتاجية لمصانع البناء في المملكة، وتعزيز الاستفادة من المحتوى المحلي بنسبة 70 %، وخلق 6 آلاف وظيفة للسعوديين، ورفع نسبة المساهمة للإنتاج المحلي الإجمالي لتصل إلى 80 مليار ريال سعودي، وتقليص تكلفة البناء بنسبة تتراوح من 5 % إلى 20 %، وتقليل زمن التنفيذ إلى أقل من 90 يومًا، وتحسين الجودة للوحدات السكنية ورفع مستوى الرضا، والمتتبع لنشاط المبادرة يجد البدايات المحفزة التي تعطينا مؤشرات مستقبلية لتطور مجال البناء والاتجاه به نحو الأفضل والأجود، ولكن يبقى العنصر الرئيس في ضرورة وجود أنشطة تثقيفية نوعية لنشر ثقافة تقنية البناء بالذات بين المختصين والمستثمرين.. والقادم أجمل.