من الأدواء حبُّ الشهرة، ذلك أنَّ البعض يظن أنَّ سعادته في اشتهاره بين الناس، ونجوميته فيهم، وتوجُّه الأنظار إليه، ويظن أنَّ في هذا رفعة له، ألا يعلم أنَّ المشهور إن خرج إلى السوق أو حضر مناسبة أو غيرهما، فإنَّ أبصار بعضهم ترمقه، ماذا سيفعل؟ وماذا سيقول؟ وما هو لبسه؟ وأي سيارة يركب؟ ومع من يمشي؟ لكن من لم يبتلَ بالشهرة، فإنَّه سالم من ذلك، غير مقيَّد به، وإنَّ العاقل لا يطلب الشهرة ولا يسعى إليها، ولا يقول قولًا أو يعمل عملًا أو ينشر شيئًا لأجل الشهرة. إنَّ طالب الشهرة يسعى إليها ولو خالف الأخلاق الفاضلة أو العادات الطيبة السائدة بين الناس، آخذًا بخالف تُعرف، حتى إنَّه قد يطلبها بفعل التوافه أو بالسخرية والاستهزاء وقِلَّة الحياء، كلُّ ذلك لأجل أن يكون مشهورًا، ومنهم من يطلبها بتعالمه في أيِّ فنٍّ من الفنون وهو لا يُحسن حتى أصولها ومبادئ علومها. إنَّ الشهرة قد تجرُّ صاحبها إلى آفاتٍ كثيرة، منها: الكبر والعجب والغرور والأنانية وحب الذات، وإلى ازدراء غيره واحتقاره وإلى حب التصدر والعلو على الأقران، وقد يُرائي الناس بقوله وعمله، لينال ثناءهم، فهل ترون تنفعه الشهرة أو الرياء؟! ثم إنَّ الساعي خلف الشهرة، إنَّما سعيه إلى سراب، كلَّما اقترب منه ابتعد عنه، ثم ألا يعلم طالب الشهرة أنَّه كم من مشهور يتمنى لو أنَّه في غمار الناس، لا يُعرف بينهم ولا يشار إليه، فإلى من يسعى حثيثًا طلبًا للشهرة، قف واسلك طريقًا لا تطلب فيه شهرة، قال رجل لبشر الحافي رحمه الله: أوصني، فقال: أخمل ذكرك، وطيِّب مطعمك. فمن أخمل ذكره فإنَّه لا يطلب شهرة ولا يسعى إليها بل يفرُّ منها. إضاءة: في البعد عن الشهرة ومظانها سلامة وعافية وراحة وسعادة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ، الْغَنِيَّ، الْخَفِيَّ) رواه مسلم، فهنيئًا للمتقي غني النفس الخامل المنقطع إلى العبادة المشتغل بأمور نفسه الوصول لرحمه. قال جعفر بن الفراء:

من أخمل النفس أحياها وروَّحها... ولم يبت طاويًا منها على ضجر

إنَّ الرياح إذا اشتدت عواصفها... فليس ترمي سوى العالي من الشجر