من أراد أن يعرف كل شيء، تغيب عنه أهم الأشياء، وهذه هي حالنا بعد أن أصبح العالم مسرحاً يعيش الفوضى المعلوماتية والمعرفة الادعائية، أصبحت المعرفة الشمولية وخاصة في عصر التسارع التكنولوجي والإنترنت معرفة هشة، فنحن نواجه شيئاً جديداً نتيجة السرعة والتغير والغرق بكل التكنولوجيا من حولنا، فنحس بالعجز أحياناً لأننا لا نستطيع التعامل مع هذه المواقف، ولو حاولنا أن نبحث عن إرث نتكئ عليه لمعرفة حدود العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا ونتيجة وجود أنساق مختلفة بينهما، حاولت في البداية أن أتعلم أبجدية هذه العلاقة المعقدة، ومن أجل الوفاء لإنسانيتنا قررت تكثيف حضور هذين القطبين المختلفين والمتناغمين، فواحد منهما قدّ من نار الدفء والآخر من صقيع الجمود.

تبهرني قدرة الإنسان وقوة تحمله لكل شيء غير ثابت حوله، فكم من التجارب الجميلة التي نستحضرها بمجرد رغبتنا في الإحساس بمتعة التغيير، فنعيش مشردين بين مدن الرغبة في الاكتشاف وسواحل الخوف من المجهول، فلا نجد ملاذاً آمناً من اضطرابات الحياة وتغيراتها المتلاحقة والمتشابكة التي تضغط على أعصابنا حتى آخر رمق فينا وفي شخوص تسكننا بعناية، فلا نستطيع أن نفتح صفحات من بياض لتمتص كل ما فينا من ضغط وخوف وقلق وتعب وتوتر، ولا نجد من ينعش إنسانيتنا التي أمطرتها تكنولوجيا متلاحقة الكثير من القلق والتعب، ففي أسطورة "ربيع زهر الخوخ" التي كتبها الشاعر الصيني تاو يوان مينغ في العام 421م، "وتروي حكاية صياد أبحر في نهر يشق غابة تتكون بكاملها من أشجار الخوخ وتغطي أرضها براعم زهر الخوخ الجميلة، ومن دون أن يشعر، وبمحض الصدفة، وصل نهاية النهر ليكتشف هناك قرية جميلة تعيش فيها مجموعة من البشر في مجتمع مثالي فريد في انسجام كامل مع الطبيعة، غير مدركين ما يدور في العالم الخارجي حولهم، ولضمان هذا العيش المثالي، التفت حول تلك القرية الجميلة سلسلة من الجبال العالية، تحميها من أن يصل إليها أحد أو شيء يعكر صفوها"..

وهذه الأسطورة ما هي إلا تجسيد لحياتنا التي غرقنا بها، فنحن نعيش عالمنا الصغير داخل عالم كبير لا نحاول أن نتعرف عليه، عالم جديد تنهار فيه كل القيم السابقة وتبنى قيم أخرى مختلفة، وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تستغل في كل شيء، وأصبحت الشخصية مسجونة داخل هذا العالم المضطرب، فنحن نطوّع لمستقبل لا نعلم ما هو، ولا نستطيع قياس سرعة هذا التسارع والتغيير التكنولوجي المتلاحق المخيف، ينخر فينا حتى العظم بمخملية موغلة في الجمال.. السؤال: كيف نستقرئ مستقبلنا وسط هذه البدع التكنولوجية المتلاحقة؟