عدم الاستفادة من البحث العلمي وركنه جانبًا حتمًا أدى إلى تراجع النشاط العلمي عمومًا في الجامعات العربية، وجعل المشتغل بالبحث العلمي يشعر بأنه يهدر حياته سدى، فهو لا يرى أن عمله له قيمة، وليس له تأثير

قدم الزميل الدكتور ساري حنفي (وهو أستاذ في الجامعة الأميركية ورئيس الجمعية الدولية لعلم الاجتماع) يوم الأربعاء الفائت (6 نوفمبر) محاضرة حول إنتاج المعرفة ضمن البرنامج العلمي لجائزة عبداللطيف الفوزان لعمارة المساجد، وركز بالدرجة الأولى على واقع البحث العلمي في الجامعات العربية، وهو واقع لا يسر أحدًا أبدًا، لكن المشكلة الأكبر هي أن قيمة البحث العلمي بالنسبة لصناع القرار في المنطقة العربية لا تكاد تذكر، أي أننا لا نجد أي أثر للبحث العلمي في عملية اتخاذ القرار، وهذا يجعل القرارت في كثير من الأحيان مرتجلة وفردية، ولا تعبر عن سياسة أو استراتيجية واضحة. ويقترح أنه قد أصبح من الضرورة بمكان أن يتم تدريب صناع القرار على توظيف البحث العلمي في تحديد مسار القرارات التي تمس الاقتصاد والسياسة والمجتمع.

لقد لفت نظري طلب الدكتور حنفي «تدريب» صناع القرار، فالأمر ليس بهذه السهولة خصوصًا هذه الأيام، التي تقزم فيها دور أساتذة الجامعات، وتم هدم الصورة التقليدية التي كانت تقدمهم للمجتمع كأهل الرأي وأصحاب المشورة، وبالتالي فإن تدريب صناع القرار على الاعتماد على ما ينتجه هؤلاء من بحوث ودراسات يحتاج بالضرورة إلى تصحيح الصورة الذهنية التي تم ترسيخها حول أساتذة الجامعات خلال العقد الأخير بشكل خاص. وحتى لو تم تصحيح الصورة الذهنية لأساتذة الجامعات لا بد أن نقر أننا نواجه مسألتين، الأولى: هي ضعف الإنتاج العلمي عمومًا في الجامعات العربية، والأخرى: الخلل التاريخي الذي قامت عليه المؤسسات الحكومية في منهجيتها في عملية اتخاذ القرارات. فهذه المنهجية لم ولا تستند على معلومات مدروسة ومبحوثة، بل على انطباعات وآراء شخصية وربما على مواقف سابقة.

وفيما يخص ضعف الإنتاج العلمي، فإن له أسبابه التاريخية المرتبطة بالعلاقة بين الجامعة والمجتمع وحتى المؤسسات الحكومية في العالم العربي غير الواضحة أبدًا، أي أنه لا يوجد دور فعلي خارج عملية «التدريس» للجامعة، ولم يتم اعتبار الجامعة كمركز لإنتاج المعرفة التي يحتاجها صناع القرار، فيندر مثلاً أن تعتمد المؤسسات الحكومية والدولة عمومًا على المؤسسات التعليمية في تحديد مسار قراراتها، وهذا في حد ذاته يجعل المعرفة التي تنتجها الجامعة ليست ذات فائدة ودون تأثير. هذه العلاقة الباردة بين الحكومات العربية وبين المؤسسات التعليمية ناتجة في الأصل من رغبة كثير من متخذي القرار التفرد بالرأي، وعدم السماح لأي جهة بالتأثير في التوجهات والرغبات الشخصية، بما في ذلك المعرفة المستندة على البحث العلمي العميق.

عدم الاستفادة من البحث العلمي وركنه جانبًا حتمًا أدى إلى تراجع النشاط العلمي عمومًا في الجامعات العربية، وجعل المشتغل بالبحث العلمي يشعر بأنه يهدر حياته سدى، فهو لا يرى أن عمله له قيمة، وليس له تأثير. ويبدو أن هذا الإحساس الذي امتد سنوات طويلة جعل من عملية إنتاج المعرفة غير مجدية لكثير من المشتغلين بالتعليم العالي، وأصبحت الجامعات لا تبالي فعلاً بقيمة المنتج العلمي وتأثيره في التنمية والتحول الاقتصادي والاجتماعي، بل صار التنافس حول الكم أكثر من الكيف، وصارت المؤسسات تتفاخر بموقعها في التصنيفات العالمية دون أن يكون لديها خطة واضحة في توظيف المعرفة في خدمة المجتمع. إذن لا نستغرب أبدًا أنه لم يحصل أحد من أي جامعة عربية على جائزة نوبل في مجالات تمس البحث العلمي.

يشير الدكتور حنفي إلى مسألة أخرى مرتبطة بسوسلوجيا المعرفة التي تهتم بالوعي المجتمعي، فقد أشار إلى أن أكثر من 95% من كتاب الصحف في فرنسا هم كتاب بارعون في تخصصاتهم، ولا يوجد هناك ما يسمى «كاتبًا» يكتب في كل شيء إلا نادرًا، وغالبًا ما يكون الكاتب المتخصص مرتكزًا على بحوث علمية، سواء كان قد قام بها أو قرأها بحكم التخصص، وبالتالي فإن الصحافة الفرنسية لا تعمل بمعزل عن إنتاج المعرفة، بل إنها توظف البحث العلمي، وتتحالف مع الجامعات في صناعة وعي مجتمعي مبني على معرفة ذات مصداقية عالية، وهذا مناقض تمامًا للوضع الذي عليه الصحافة العربية. الصورة العامة لإنتاج المعرفة واستخدامها في عالمنا العربي تنذر بمزيد من التراجع المعرفي، وتزيد من الهوة الواسعة أصلاً بين متخذي القرار والمؤسسات المنتجة للمعرفة.