تمامًا أيتها الرياض.. لا تكملين الأربعين أو أكملها ونحن معًا، غريبينِ إلا عنا إلا لألقاك مجدّدًا تلك الأحلام التي ظننتُ أن ملامحها تتجعّد، وظهرها يتقوّس، فقد جئتك أول مرّة وأنا ابن الثانية عشرة، ساحليّ الملامح من أقاصي الغرب على عجلةٍ من النهار، جئتُ فما وجدت إلا تلك المدينة الخرسانية المسكوت عنها، والعابسة في وجه الشمس، لا يهم.. نعم كنتِ كذلك.. ومع هذا أحببتك وراهنت قلبي على جمالياتك المخبوءة، نعم استأنستك، حيث اشتريت فيك بيتًا ونجمة وبعت البحر الذي أحب... لا يهم أيتها الرياض كنت غوايتي الشتوية حتى بوحشة شوارعك المزدحمة بالعبوس وسطوة التوجس في ملامح عابريك، وحتى صيفك حينما يلسع صلعة شوارعك كنت أهدِّئ من روعه بمتابعة أخبار الطقس، وعودة الشتاء،.. لا يهم كل ذلك بعد أن عبرتُ تلك الأربعين بالصبر عليك، وعبرتِها أنتِ بوعد مخبوء ينتظر غدًا ليتحقق..!

ها أنت اليوم أيتها الرياض تدّخرين الحياة لنا في موسم واحد موسم أول واحد فقط، تجمعين أضغاث مدينة ظلت في صدري طوال تلك العقود الأربعة، تؤنسين حتى ذكرياتك المغلوبة على عهدها، تجمعين في مكان واحد كل ملامحك الثرية من أول البخور حتى آخر العطور العالمية، من أول النقاب حتى آخر السفر،.. من أول الأذان حتى صمت الموسيقى، إنها الوسطية التي انتظرتِها حضارةً وأصالة معًا.. تنميةً وترفيهًا.. هكذا هكذا أنت اليوم أيتها الرياض مدينة تأخذ أهلها إلى الحياة لتكون أجمل بهم...، ثم يعدونها بالعمل والطموح والهمّة فتعدهم بــ (عصمتهم) عن النقص، هكذا تحققين لنا مفهوم العاصمة تمامًا حينما تعصمين أهلك عن نقص الخدمات.. لكنك حتى في هذه العصمة اليوم تتحولين إلى مدينة عالمية تختزل التاريخ والجغرافيا فيها، فتوفر لأهلها كل ما أنتجه العالم المعاصر من حياة تتعشّم السعادة..!

هي رحلة واحدة للبيلوفارد برفقة ابنتي التي ظلّت تنصت لدهشتي، وتستفزّ الرؤيا في الرؤية، تأخذني لسرد الفوارق وتذاكر الماضي الموجع؛ حيث يتداوى بالحاضر المدهش والواثق.. ثم لا أفيق إلا وأنا وإياها نتمايل مع نافورة مزروعة في صحراء ذاكرتي!