يناقش الروائي حسن حميد في كتابه "البقع الأرجوانية في الرواية الغربية"، الذي صدر في مطبوعات "كتاب الرياض" برقم 124 قضايا تتعلق بالأدب الروائي العالمي المترجم، وبعض الأساطير التي تشكّلت وترسخت عنه عبر عقود عدة.

فالذين يقرؤون أعمال كافكا يُلصقون به صفة الغموض، وقرّاء جيمس جويس ينعتون أعماله بأنها ملحمة المونولوج الداخلي، ويُلحقون روايات مارسيل بروست بقائمة الأعمال المسبوكة من الجُمل الوصفية الطويلة... وهكذا.

ويعزو حسن حميد الغفلة التي تنتاب القارئ العربي المصروف عن حقيقة الأعمال الروائية الغربية ومؤلفيها، إلى أن معظم الحوارات والترجمات المنشورة عنهم وعن أعمالهم تقدّمهم على أنهم من جنس فريد، وهذا ما جعل القناعة العربية لدى الأجيال تتضاعف وتزداد احترامًا وتقديرًا لكل كلمة قالوها، أو سلوك اختطّوه، أو مذهب أدبي تبنّوه أو ابتدعوه.

وينبّه على أن الترجمات التي صدرت لهؤلاء وعنهم لم تقارب النصوص الأصلية مقاربة دقيقة، بل إنه قد حُذف منها كل ما هو مؤذ أو مزعج للروح أو الذاكرة العربية، فجاءت ترجمات مجزوءة غير تامة؛ لأن المترجم العربي كان يحسب حساب الرقيب، ويريد أن يتقبل القارئ المادة المترجمة، وبهذا حرَمَ قارِئَه من معرفة الهوية الحقيقية لهؤلاء المؤلفين وأديانهم وتوجهاتهم الحقيقية، وظلت معرفته رهينة رؤية الناقد الغربي من جهة، والمترجم العربي المتواطئ من جهة أخرى.

لا يتبنى حسن حميد – وهو الروائي الفائز بجائزة نجيب محفوظ - الفكرة التي تحمل شعار "أحرقوا هذا الكاتب"، ولكنه يسائل السائد في أدبيات العالم الروائي ورموزه المعاصرين، فهو يناقش المقولة الشائعة: إن كافكا كاتب الغموض والاغتراب، ويحاول معرفة السرّ وراء عناية المطابع الغربية برواية الزمن المفقود لمارسيل بروست دون غيرها من أعماله الأخرى.

ويذكر الكاتب أن رواية جيمس جويس (يوليسيس) صدرت في طبعتها الأولى للمترجم طه محمود طه عام 1982، ثم طُبعت عام 1994م، وملئت في الطبعتين بالأغلاط، وزاد مترجمها الطين بلة حين ترجَم كثيرًا من حواراتها ومقاطعها باللهجة المصرية الدارجة، وبعض نصوصها الشعرية بالحكي الدارج السوقي، مع تجاهل تام لمحتواها الاستيطانيّ المبطّن.

وبالعودة إلى ما في كتاب الرياض رقم 124 عن مارسيل بروست نجد أنه يشير إلى أن ما أراد هذا الروائي استرجاعه من "الزمن المفقود" ليس طفولته البائسة، بل أراد استعادة الزمن الجمعي لليهود، ولذلك احتوت روايته فصلًا طويلًا يتحدث عن "سادوم وعامورة"، وعن مقايسة اللعنة الحديثة باللعنة القديمة، لنبذ هذه الشذوذات والمظهريات الخادعة؛ لكيلا يندمج اليهود في المجتمع الأوربي، وليتنبّهوا لما يُثار حولهم من أفكار تدور في القرن العشرين. فبروست يهدف إلى بعث الرابطة القومية والرابطة الدينية والرابطة العرقية واللغوية في بني إسرائيل، وذلك ما يعنيه باستعادته الماضي؛ وهذا ما جعل اليهود الفرنسيين والأميركيين يحتفون به ويقدرون عمله الضخم على نحو احتفالي موسمي.

إنّ مفكرًا معاصرًا مثل برنار هنري ليفي ينعى في كتابه "روح اليهودية" على الفرنسيين أنهم اختاروا المرجعية الرومانية الإغريقية ومَحوا من تراثهم أثر المرجعية اليهودية. ويتحدث عن مارسيل بروست بوصفه الأديب الذي أحدث تغييرًا كبيرًا في رواية "البحث عن الزمن المفقود"، ويعدّه من اليهود الذي أعلوا من شأن فرنسا، وارتقوا باللغة الفرنسية والأدب الفرنسي، وهو يذكر ثلاثة نماذج للإسهامات اليهودية في إنشاء الجمهورية الفرنسية، الأول: إسهام اليهود في الحفاظ على الفرنسية القديمة، من خلال ترجمات اليهودي راشي. والثاني: المرجعيّة اليهودية غير المباشرة المتعلقة بفكرة إنشاء الدولة. والثالث: إسهامات مارسيل بروست في تنشيط اللغة الفرنسية.

ما ينشده حسن حميد في هذا الكتاب هو محاولة لفت نظر القارئ إلى ظاهرة المديح السائد للنصوص الغربية، كما أنه لا يود أن ينضم إلى الحزب الذي يذم هذه النصوص وتغلِب عليه نظرة الشكّ إليها، فالمظهران بحسبه "على غاية من الخطل... وقد آن أوان الكف عن القدح المجّاني الساذج، وعن المديح المُخجل أيضًا" لهذه الأعمال.

وبعد، هل ينتظر القارئ العربي من المبدعين والمؤلفين الغربيّين ألاّ يكتبوا انطلاقًا من تصوّراتهم ومن قيَمهم واعتزازهم بثقافاتهم وتراثهم وقوميّاتهم؟ أكان يظنّ أن المبدع الغربي سيتخلص قلمه للإبداع والإنسانية الصافية، ولا تشطح به نوازعه وميراث أسلافه إلى هنا أو هناك؟

*باحث وروائي

مارسيل بروست في صباه
الروائي حسن حميد
من أغلفة رواية البحث عن الزمن المفقود.
كتاب البقع الأرجوانية في الرواية الغربية