عند الكلام عن أنظمة سعودية من نوع لائحة الذوق العام ونظام مكافحة الجرائم المعلوماتية، ومعهما نظام مكافحة الجرائم الإلكترونية في بعض معالجاته، سنلاحظ حتماً وجود نقاط تقاطع بينهم، ومن الأمثلة، أن استهداف الأجهزة الحكومية أو غير الحكومية بالاختراق يصنف باعتباره جريمة إلكترونية، وإذا كانت العملية نفسها عبارة عن اختراق وسرقة لمعرفها على منصات التواصل الاجتماعي، ومن ثم استخدام المعرف في كتابة محتوى يتعرض بالقذف والتشهير لآحاد الناس أو يتهجم على شخصيات اعتبارية، فإن الجريمة في هذه الحالة تتحول من إلكترونية إلى معلوماتية، وبافتراض أن المعرف المخترق خاص بوزارة الإعلام أو بالجهات التي تشرف عليها، وكان المحتوى المنشور مقطع فيديو يظهر فيه شخص تم تصويره من دون استئذان، فالجريمة عندها تدخل في دائرة الجرائم المعاقب عليها بموجب لائحة الذوق العام.

المعنى أن صياغة اللائحة، ومعها النظامان وربما أنظمة أخرى مشابهة، جاءت فضفاضة في نصوصها مع تكرار لبعض العبارات التي قد تعقد الموقف أكثر ومن بينها عبارة "وما في حكمها" وأترك لمن يقرأ مراجعة ما أشرت إليه ليكتشف بنفسه أن بعض الأنظمة تترك أبواباً مواربة لاستخدامها كمخارج طوارئ عند الحاجة، ولا يمكن حل مشكلة من هذا النوع إلا بوجود لوائح تنفيذية تحدد طريقة تنفيذ مواد النظام أو اللائحة، وتعمل على فض الاشتباك الحاصل بين الأنظمة التي تعالج شؤوناً متقاربة، ولا يأتي النظام مع آلية تنفيذه في ذات الوقت أو بالمعنى الدارج لا يوجد "كتالوج" مع النظام يوضح طريقة عمله، ومعظم الأنظمة في العالم بما فيها أنظمة الأمم المتحدة، تشير عند صدورها إلى لائحة تنفيذية أو مذكرة تفسيرية لآلية عملها ستأتي في مرحلة لاحقة وخلال مدة محددة.

لا بد من ملاحظـــة أن النظـــام قد يبـدو في بعض الأحيان، للمختصين وغير المختصـين، أنه يعـالج موضـوعاً لا يعالجه، خصوصاً أن الجمل في اللغة العربية ومعها الإنجليزية غنية جداً وتحتمل معانٍ كثيرة، ولعل ما سبق يفسر تفضيل فقهاء القانون الدولي لاستخدام اللغة الفرنسية في كتابة مواده، لأن الجمـلة في هذه اللغة لا تقبل أكثر من معنى واحد ووحيد، ويصعب بالتالي الإفلات من مواده أو الالتفاف عليها، بينما العبارات الفضفاضة المستخدمة في صياغة مواد الأنظمة السعودية، وتحديداً المتعلقة بالجرائم والمخالفات الجديدة المصاحبة لثورة المعلومات والاتصالات، قد يشوش على صاحب الدعوى والمدعى عليه وعلى "مثلث الرعب" المتمثل في جهات الضبط والتحقيق والمحاكمة.

أستطيع القول وبثقة تامة: إن ثقافة اللائحة التنفيذية ليست من أولويات صناع الأنظمة في السعودية، وهناك أنظمة أكدت على صدور لوائح تنفيذية توضحها، ولكنها بقيت ما يقارب الـ75 سنة في غرفة الانتظار، ومازالت اللائحة تصر على الغياب، والأمل معقود في رؤية 2030 وفي عرابها الأمير محمد بن سلمان، الذي روض المستحيل بتوفيق الله، ثم بجهود المخلصين من حوله، وما نريده هو القضاء على مستحيل اللائحة التنفيذية، الذي أتعب أنظمة كثيرة وعطل تطبيقها، وحتى نقدر حجم المشكلة يكفي أن نعرف بوجود أكثر من 460 نظاماً سعودياً، 70 في المئة منها بلا لوائح تنفيذية.