إن الأمانة الملقاة على كواهل المسؤولين في الدولة من أكبر الأمانات؛ لعلاقتها بالحقوق العامة التي لا يتوقف التفريط فيها على إهدار مصلحة فلان بعينه، فمن أهم صفات المسؤول التحلّي بالأمانة..

للولاية ركنان يعود إليهما أغلب شروطها وآدابها، وهما الأمانة والقوة، وقد تكلّمتُ عن القوة في مقال سابق، وها أنا أتحدث عن ركن الأمانة، وهذا الركن شديد الأهمية؛ لشمول الحاجة إليه في جميع شؤون الحياة، فهو مطلوبٌ في تعاملات الناس الخاصة، ومحوري في مزاولة كل ذي مهنة مهنته، والأمانة حِملٌ عظيم بيّن الله تعالى عظمة شأنها، فقال: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)، هذا على وجه العموم سواء كانت الأمانة من حقوق الله تعالى أم من حقوق العباد، والحِمل الذي أشفقت منه السموات والأرض لا ينهض به إلا مُوفّقٌ علم الله منه الإخلاص فأعانه على تحمل الأعباء، ولي في هذا الموضوع وقفات:

الأولى: أن الأمانة الملقاة على كواهل المسؤولين في الدولة من أكبر الأمانات؛ لعلاقتها بالحقوق العامة التي لا يتوقف التفريط فيها على إهدار مصلحة فلان بعينه، فمن أهم صفات المسؤول التحلّي بالأمانة، والموظف قد قَبِلَ تحمّل الأمانة، وتعهّد بالعمل على وفق الأنظمة المرعية، فكان في عنقه التزامان لا مجال للتلاعب بهما: الأمانة والعهد، وقد ورد التشديد في أمرهما في نصوصٍ كثيرةٍ، ومن النصوص التي جمعت بينهما حديث أنس بن مَالِكٍ - رضي الله تعالى عنه - قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ فِي الْخُطْبَةِ: (لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لا عهدَ له)، أخرجه أحمد وغيره، وصححه الألباني، وإذا لم يتحلّ الموظف بالأمانة فلا جدوى في تحلّيه بالركن الآخر وهو القوة، فالقوة بلا أمانة تعني تفاقم الفساد، واستشراء إهدار حقوق الشعب، ومن حسن حظِّ المملكة أن الملك المفدى وولي عهده الأمين قد أوليا صفة الأمانة اهتماماً كبيراً، فأطلقا حملةً مباركةً لملاحقة الفساد ومكافحته، وكان لهذه الحملة آثارٌ إيجابيةٌ على العباد والبلاد.

الثانية: أن الأمانة في أداء المسؤوليات التي أناطها ولي الأمر بالموظف ثقةً به ينتظم فيها الكثير من خصال الخير واجبها ومندوبها، كما أنها من مستلزمات المروءة والشهامة؛ وذلك لأن الأمين في عمله يؤدي الواجب من حقوق العباد التي أمره الله بأدائها، والحقوق منها الواجب ومنها المستحب، وكل هذا معدودٌ من خصال المروءة التي جاء الإسلام بتقريرها وتأييدها وضبطها بميزان عادل، والعكس بالعكس فمن أخلّ بالأمانة في وظيفته فقد ضيّع واجبه الديني، ودنّس صفحة مروءته، وألصق بنفسه وصمةً لا يسهل النقاء من تبعاتها الأخلاقية.

الثالثة: خطورة مظاهر عدم الأمانة في الشؤون الإدارية، فالخيانة في تسيير الأمور الإدارية تجمع في طيّاتها ظواهر سلبية تؤخر المجتمعات، وتُعرقلُ تقدّمها، وتثبّط نهضتها، ومن تلك المظاهر تقديم المفضول على الفاضل، وتقديم القرابة والأصدقاء على أهل القدرة والكفاءة، سواء فيما يتعلق بالتعيينات، أو التكليفات، أو الترقيات، أو الانتدابات، وفي كل هذه التصرفات هدرٌ مزدوجٌ للمصلحة، فمزاولة غير الكفء للمهمة تضييعٌ لتلك المهمة، وهدرٌ لطاقة المزاول الذي لا يحسنها؛ وذلك لأنه قد يكون صالحاً لإتقان غيرها، أو أن الأولى به أن يشغل وقته بتعلّمها أو تعلّم غيرها، كما أنه هدرٌ لطاقة من حُرِمَ من هذه الوظيفة ممن يستحقها، سواء شُغِلَ بشيءٍ آخر لا يُناسبه، أو كان عاطلاً عن العمل، ففي كلتا الحالتين هو مُهدرُ القدرات، والوطن يدفع ضريبة إهدار طاقات أبنائه بأي طريقة حصل ذلك، ولا يُخفِّفُ من سلبية ذلك كون الفاعل يمتلك بعض المبررات المرجوحة فيما فعل؛ لأنه مطالبٌ بتحرِّي الأصلح والأنفع.

الرابعة: خطورة مظاهر عدم الأمانة في الموارد المالية: فالخيانة المالية من أسوأ الخيانات أثراً على الوطن وعلى المجتمع، والمال عصبُ الحياة، والنفوس مجبولةٌ على الميلِ إليه، فمن لم يُجاهد نفسه في التعامل معه بالأمانة أرداه الاسترسال في صرفه في مهاوي المهالك، وأورده موارد الدنايا، ومما ينفع في هذا الصّدد استحضار أن متعة المال فانيةٌ زائلةٌ، وأن حسرة الخيانة تبقى بعد ذلك، وتُورثُ التّبعات الثقيلة في الآخرة، وسوء الذكر في الدنيا، وأن يتذكّر ما في الأمانة من الأجر العظيم والرفعة، وما في الخيانة من الإثم الكبير والِخسّة، ومن مظاهر الخيانة المالية التلاعب بالمال العام، وهدره للمصلحة الشخصية، كأن يجرَّ لنفسه نفعاً، بأن يستولي على هذا المال شخصياً، أو يُسخِّرهُ لمصالحه، أو يدفعه لتلميع نفسه في مواقع التواصل الاجتماعي، أو عبر الوسائل الإعلامية من قنواتٍ وغيرها على حساب الحقيقة والإنجاز، أو يدفعه لقريبٍ أو صديقٍ وهو لا يستحقّه، ونحو ذلك.