كما هي حال لبنان يدفع اليمن ثمن بنيته السياسية والثقافية على مدى عقود العصر الحديث، طائفية اليمن أقل كثيراً من طائفية لبنان، لكن قبلية اليمن تغطي الفرق.

الحرب التي تدور رحاها اليوم في اليمن ليست الأولى من نوعها، تدخّل إيران في الشؤون اليمنية تحت غطاء المذهبية سبقه تدخل جمال عبدالناصر باسم العروبة والثورية.

في الوقت الذي يتفاخر فيه اللبنانيون بأصولهم الفينيقية، يتفاخر اليمنيون بأنهم أصل العرب، كلا الشعبين يعيد تاريخه إلى آلاف السنين وربما قبل ذلك بكثير، لا تريد الشعوب العربية التمييز بين الحضارة البائدة المنتهية وبين الحضارة الفاعلة رغم قدمها، الحضارة المصرية الفرعونية مثلاً لم تعد تمثل مصر، الشعب المصري لا ينتسب لها، لا يوجد في ثقافة المصريين الحالية ما يمكن أن يعود إلى هذه الحضارة مهما بذل المؤرخون من ادعاءات، الحضارة المصرية الفرعونية ماتت. تعاقب على مصر حضارات متعددة ساهمت في دفن الحضارة الفرعونية بالكامل، لم يبق من الحضارة المصرية الفرعونية سوى الآثار المادية، عقيدة المصري اليوم معادية لما ترمز له هذه الآثار.

تعود بنية لبنان السياسية الحية إلى العصور الوسطى وتعود مفاهيم اليمنيين إلى الذهنية العربية والإسلام، لا يوجد في حياة اليمن ومعاشه وعاداته اليوم ما يمكن أن يفسر به تأثير سد مأرب وبلقيس وأبرهة.

مشكلة اليمن ومشكلة لبنان ومشكلة العرب ككل تعود إلى ازدواجية الهدف وتناقضه، تعود هذه الازدواجية إلى فقدان الأمل الذي يعاني منه الإنسان العربي، مقاربته للحداثة محدودة ومشوبة بالريبة، لا يريد أن يطلق الماضي لعدم ثقته في الحاضر، ينظر للحرية التي هي جوهرة العصر الحديث كما ينظر رائد الفضاء عندما يكون في الفضاء إلى الفضاء الموحش المظلم فينتابه الخوف من أي مغامرة فيطغى عليه الحنين إلى دفء الأرض بكل بلاويها.

استطاعت إيران اختراق اليمن ولبنان والعراق من الثقب الواسع الذي تعاني منه كثير من الدول العربية، عدم وجود دولة، عندما انهار حكم القذافي لم يجد الشعب الليبي ما يمكن أن يسمى الدولة الليبية فنشأ الذي يحدث الآن، نفس ما جرى للعراقيين عندما هُدمت الدولة في بلادهم، هذا يفسر لماذا لم تعم مصر الفوضى بعد الربيع العربي، مصر تتمتع بمفهوم الدولة منذ قديم الزمان.

لبنان واليمن بقيا دائماً في منطقة الهشاشة نظراً لغياب الدولة والتعاطي مع بديل مصطنع، هذا في صنعاء وذاك في بيروت بينما ولاء الشعبين متوزع على أماكن أخرى.

ليس غريباً أن تُنشئ إيران دويلة صغيرة في لبنان وأخرى في اليمن يدين شعباهما لها بالولاء، الحوثيون والشيعة في لبنان لا ينتابهم شعور الخيانة للوطن؛ لأنه لا يوجد وطن أصلاً.