في خضم توترات المنطقة، استغلت إيران الحرب على "داعش" للهيمنة على مفاصل الدولة العراقية، وأصبحت معظم الوزارات تحت سيطرة الأحزاب المدعومة منها بشكل مباشر وعلني، لكن احتجاجات واسعة بدأت مطلع أكتوبر الماضي في انتفاضة هي الأكبر في تاريخ العراق الحديث، ضد الحكومة العراقية والمحتل الأجنبي "إيران" التي بات لها نفوذ كبير داخل الدولة، ما جعل مئات الآلاف يخرجون للشوارع رافعين شعار "بغداد حرة حرة.. إيران برا برا".

وفي تطور للأحداث، حاصر آلاف المتظاهرين مقر القنصلية الإيرانية في كربلاء، ورفعوا علم العراق على أسوارها، كما استبدلوا اسم شارع "الإمام الخميني" في مدينة النجف إلى شارع "شهداء ثورة تشرين"، وشهدت التظاهرات في بغداد وعدة محافظات جنوبية حرق العلم الإيراني، وتصاعدت الأصوات التي تتهم إيران بالتدخل في الشأن الداخلي العراقي، واستهداف المتظاهرين وقتلهم.

وأسفرت الاحتجاجات الشعبية الأولى من نوعها منذ العام 2003 من حيث حجمها وعلانيتها، عن إغلاق تام للمؤسسات الحكومية في بغداد ومدن جنوبية عدة وكذلك المدارس على خلفية إعلان نقابة المعلمين الإضراب العام، وسط دعوات إلى العصيان المدني في كامل الدولة.

ووثقت الإحصائيات الرسمية مصرع أكثر من 250 شخصاً في الاحتجاجات الحالية التي يشهدها العراق فيما لم يتضح بعد سيناريوهات المرحلة المقبلة، وأصيب حوالي 5500 شخص بالرصاص بينهم أكثر من 1000 من أفراد قوات الأمن. ويشير الباحث العراقي فاروق الظفيري، إلى أن أهم الرسائل التي أوصلها المتظاهرون في ساحة التحرير ببغداد وعموم الساحات إلى النظام الإيراني: "أننا خُدعنا بكم من أنكم تمثلون حقيقة منهج أهل البيت.. وأنكم ماجئتم إلا لحمايتنا من الطغيان.. ولكن اكتشفنا أنكم استخدمتونا في ضرب العرب ولم تخدمونا واحتميتم بنا ولم تحمونا وسلختمونا من محيطنا العراقي والعربي.. وها نحن نقوم بتصحيح هذا الخطأ التأريخي". ويؤكد الظفيري أن التصحيح الذي لم تتخيل إيران صدوره يوماً بدأ من الحاضنة الشيعية التي كانت تتوكأ عليها، فبدأ التصحيح بخروج شباب الشيعة ينادون بشعار (إيران برا برا.. بغداد تبقى حرة) وحرق العلم الإيراني وتمزيق صور الخميني وخامنئي ووضعها تحت الأحذية، مما أفزع وزلزل عروش ولاية الفقيه في إيران، لذلك هذه الرسالة البليغة إلى نظام الملالي: "إنكم بدأتم بالهلال الشيعي من العراق بدمائنا وأموالنا ونحن سنقبره من حيث بدأ".

ولفت الظفيري في تصريحات لـ"الرياض" إلى أن هناك رسائل أخرى من أهمها أن هذه التظاهرات لم ترفع غير العلم العراقي، ولم ترفع أي شعارات طائفية، لذلك كان لها القبول من كافة أطياف الشعب العراقي، وشارك فيها أهل السنة في المناطق المختلطة، لذلك نحن نؤيد هذه الانتفاضة ولما تدعو له من مطالب مشروعة.

وقالت د. سمية عسلة، الباحثة المتخصصة في الشأن الإيراني: إنه منذ بداية الاحتجاجات كان المرجع الديني الأعلى للشيعة في العراق علي السيستاني، والمرشد الأعلى في إيران علي خامنئي، متفقان على نفس الخطاب الموجه للشعب العراقي، وهو الدعوة للتهدئة وعدم انزلاق الدولة لوضع الفوضى وتفعيل الطرق السلمية للحصول على مطالبهم، ولكن بعد أن حظيت الاحتجاجات على الدعم والتأييد الدولي ارتفعت حدة خطاب خامنئي ولعب على الوتر المذهبي، ولكن السؤال هنا "ما علاقة المذاهب بالفقر والبطالة والفساد الذي خرج من أجلها الشعب العراقي منددا بسوء الوضع"".

وأضافت عسلة أنه على نفس طريقة خامنئي يسير رجال الدين في إيران، حيث خرج آية الله محمد كاشاني إمام مسجد مشهد في إيراني وهو أحد رجال النظام، وقال في خطبة الجمعة إن أميركا وإسرائيل تستهدف أربعينية الإمام الحسيني لأنه يصعب عليها رؤية ملايين الزوار لكربلاء، ولكن السؤال هنا أيضا: "ألا يعلم كاشاني أن الأميركان لهم سنوات طويلة في العراق.. هل اليوم فقط انتبهوا من عدد زوار كربلاء؟".

وأشارت عسلة إلى أن أحمد علم الهدى ممثل الخامنئي في خراسان قال "إن إيران اليوم ليست محدودة داخل جغرافيا إيران بل إن الحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان وأنصار الله في اليمن والجبهة الوطنية السورية وحماس جميعهم إيرانيون"، وكل هذه اعترافات مباشرة من قادة النظام بالتوغل الإيراني في العراق ودول المنطقة.