في الأربعين سنة الماضية راجت عبارة (ورا ما يمنعونهم) حتى أصبحت جزءاً من معجم الناس اليومي. ما أن يشاهد مقيماً يخالف النظام حتى يصرخ قائلاً ورا ما يمنعونه من سياقة السيارات؟ وعندما يشاهد شاباً يلبس بنطلوناً قصيراً على الفور يقرر (ورا ما يمنعون الشباب من لبس البناطيل؟) وهكذا تشكل في داخل كثير من الناس حس المنع.

تفشت شهوة المنع والتحريم بين الصغار والكبار، حتى أن طرح السؤال على أي شيخ ستجد أن السؤال تمت صياغته لكيلا يملك الشيخ غير أن يقول حرام. أتذكر من هذه الأسئلة أن طرح مذيع على شيخ سؤالاً بصيغة تشبه التالي: المعروف أن الليبرالية تدعو لخروج المرأة غير محتشمة وتدعو لفتح مراقص والسماح بالخمور ما حكمكم على الليبرالية؟ هذا السؤال لو طرح على حاخام أو قورو هندي أو ملحد أو خباز أو لاعب كرة لقال على الفور حرام. فكثير من الأسئلة كانت تقدم الجواب وتريد من شيخ معتبر أن يمهره بمهره، أدى الاتجاه إلى التحريم المتهور إلى بناء ثقافة المنع، من لا يملك القدرة أو الجرأة على التحريم فبين يديه فرصة المنع، يطالب بمنع دخول الشباب المولات ومنع المقاهي ومنع السفر.. إلخ، كل ما لا يناسبه يجب منعه.

هذه الثقافة تشكل سداً ضد فهم كلمة حرية، تعودت الناس أن تتدخل في شؤون الآخرين وتقرر نيابة عنهم وعن المشرع الرسمي وعن الحكومة ما يحل للناس وما يحرم عليهم وما يمنع عن الناس وما يسمح به.

زرع في رأس كثير من الناس آلية منع متطورة، حساسة ضد كل شيء، تجترح بسهولة الأسباب التي تقود إلى تخويف الناس.

وفرت أيضاً أدبيات الانغلاق كمية كبيرة من الدعاوى الدينية التي يمكن أن يستند عليها مفتي المجالس والاستراحات والمواقع الإلكترونية، بل وبعض الكتاب ليطرح فتواه بحس ديني وهو مطمئن.

هذا الحس السلبي سنعاني منه كثيراً وخصوصاً في كل ما يتصل بالحقوق الشخصية والأمور المتعلقة بالترفيه والسعادة.

تركيبة العقل الفردي تم بناؤها أن تكون حارساً أو بعبارة أكثر دقة أن يرى الناس بعين طبعه أو أن يضع نفسه حكماً على بيته وبيوت الناس أيضاً، ما يصلح له يجب أن يصلح للآخرين..

ما يجري اليوم من برامج ترفيه وحفلات ووضع الممنوعات في إطار قانوني كقانون الذوق العام سيفرض على المرء أن يلزم بفتواه نفسه فقط، فالدولة كفيلة بمواطنيها وليس لأحد أن يسوق قيمه الشخصية على الآخرين إلا في إطار ثقافي عام يقدم الأحكام والنتائج وليس في إطار هذا حق وهذا باطل.. وجهة نظر فقط.