ينتابك الشعور في مناسبات كثيرة أن الصراحة في عالمنا العربي تلغي الحقيقة، مؤشر على أن كثير من الشعوب العربية فقدوا الاتصال بالواقع، غرقوا في الشعارات، خطاب السيد حسن نصرالله الأخير يؤكد هذا.

لا يتردد نصرالله عن الإعلان وبشكل واضح وصريح أن حزبه قائم على الموارد التي تضخها إيران فيه، وفي نفس الوقت يتهم الآخرين بأنهم يتظاهرون بإملاءات من السفارة الأميركية وسفارات أخرى على حد تعبيره، ومع ذلك بعض اللبنانيين يرى في نصرالله بطلاً للمقاومة اللبنانية، لا يسأل هؤلاء كيف يستقيم معهم المنطق أن يكون حزب الله محكوم مالياً وعقدياً من طهران وفي نفس الوقت يكون وطنياً لبنانياً.

الصراحة التي يظهر بها نصرالله أمام الملأ مثيرة للاستغراب والأكثر غرابة أن نصرالله لا يشعر أن صراحته تلك تدينه والأكثر من مجرد غرابة أن هناك من يظن أنه حزب نصرالله مقاوم ولا شك أن بعضهم يؤيد بعاطفة صادقة، من الواضح أن استقر في ثقافة العرب أن من يعلن أنه يحارب الصهاينة يكفيه الإعلان ليصبح الأمل المنشود. 

لاحظ أن جميع من يعلن هذه التصريحات ويكررها يكسب الشارع العربي بغض النظر عن الواقع الذي يتعارض بشكل صارخ مع هذه الادعاءات، تركيا على سبيل المثال هي من أهم دول العالم التي تقيم علاقات استراتيجية مع إسرائيل على مستويات متعددة: التعاون العسكري والتعاون السياحي والثقافي، لكن يكفي العرب تصريحات قادة تركيا ضد إسرائيل في المناسبات حتى تتحول تركيا إلى دولة مقاومة، نفس الشيء مع الحالة الإيرانية، على الرغم من صراع إيران مع الغرب حول برنامجها النووي لم تضع إيران برنامج إسرائيل النووي موضع مقارنة لكي تحرج الموقف الأميركي والأوروبي، لا أحد يتذكر أن دافع مسؤول إيراني عن برنامجها النووي بالإشارة إلى البرنامج الإسرائيلي ولم تعمل حكومة طهران حملة تكشف فيه امتلاك إسرائيل للسلاح النووي، ويضاف إلى هذا أن الشارع العربي المتعاطف مع إيران لا يفتح هذا الموضوع ويطرحه كقضية تثير الاستغراب.

الحالة القطرية لا تختلف عن هذا كله، في نفس اليوم الذي تشن فيه قناة الجزيرة حملة أكاذيب ضد المملكة في مسألة صفقة القرن تبث القنوات الإسرائيلية والقطرية دورة ألعاب دولية تشارك فيها إسرائيل بشكل رسمي، لا يبدو أن قطر مجبرة على تفسير هذا السلوك.

نشاهد في الأردن تظاهرة ضد صفقة القرن وتوجه الاتهام للمملكة دون أن يعلم المتظاهرون أن الأردن التي تجري فيها التظاهرة تقيم علاقة مع إسرائيل، بل تشترك معها في مشروعات اقتصادية كبرى، ولا أستغرب أن يكون أحد هؤلاء المشاركين في التظاهرة يعمل في إسرائيل.

يبدو أن الشيزوفرينيا لا تصيب الأفراد فقط بل الشعوب أيضاً.