عرف "زهير" بين زملائه في الشركة التي يعمل بها بأنه "عين" المدير و"أذنه" التي ينقل له كل ما يمكن أن يقال أو يفعل من قبل زملائه، فهو الذي يفضل أن يقوم بهذا الدور، حيث يجد أن في نقل أخبار زملائه وما يقولونه عن العمل، ونقاشاتهم حول بعض القرارات، وحول ما يمكن أن يثير حفيظتهم وسيلة جيدة حتى يثبت للمدير بأنه قريبًا منه ومعه، ورغم أن زملاء "زهير" يدركون أنه الشخص الذي يقوم بدور نقل الأخبار عن زملائه بطريقة ربما يكون فيها كثير من الإساءة لهم، وكثيرًا ما قام بالزيادة على ما يسمعه ويشاهده، إلاّ أنهم لا يستطيعون أن يفعلوا حيال تلك العادة غير الأخلاقية سوى التجاهل والحذر، ولا سيما أن "زهير" يبدع في إظهار المحبة لزملائه، وبأنه واحد منهم، وربما أسدى إليهم النصائح من أجل التقرب من المدير، في حين أنه لا يتمنى ذلك في الحقيقة، كما يتصرف "زهير" بدماثة خلق، وبابتسامة حينما تثار النقاشات من قبل زملائه معه، فيظهر أنه الموظف الحبيب، وبأنه في صف زملاء المهنة الواحدة حتى في أقسى الظروف، في الوقت الذي لا يترك فرصة لنقل الأخبار والتلصص على خصوصيات وأفعال الزملاء، ولا يكتفي بذلك، إنما يرصد علاقة زملائه بالمسؤولين الآخرين الذين لا يواليهم المدير حتى يشعل النار بين زملائه وبين المدير الذي بطبيعة الحال لديه حساباته الشخصية.

"زهير" الموظف الذي يتحدث كثيرًا عن الفضيلة، وعن شعوره الكبير بالانتماء نحو زملائه، في واقع الأمر هو جزء من منظومة "الخفافيش" الذين لا يظهرون إلاّ في الظلام، فيطعنون زملاء المهنة من الخلف، وربما وثق به أحدهم وتحدث معه عما يدور في خلده تجاه العمل، فلا يتردد أن يخرج من الباب ويسرع لنقل الأخبار ساخنة قبل أن تبرد، فـ"زهير" - مع الأسف - كما يسميه زملاؤه "نشرة الأخبار" يقوم بذلك الدور دون أن يعلم بأن الجميع يعرف بمدى غدره معهم.

وانتقد عديد من الموظفين والمختصين في تنمية الذات من يقوم بدور المراسل للمسؤول أو المدير، الذي ينقل أخبار زملائه وما يقولونه لمجرد التربح بتلك المواقف التي وصفوها بأنها غير أخلاقية، في حين أكد بعضهم أن مثل هذا النموذج موجود بكثرة في بيئات العمل، محملين بعض المديرين المسؤولية في تكاثر مثل هذه النماذج وقيامها بما يسيء لزمالة العمل.

إثارة الأحاديث

ورأت ملك حسين ناصر - محاسبة في شركة مبيعات - أن هناك من يفضل أن يقوم بدور "نشرة الأخبار" الذي ينقل الأخبار وما يقال وما يحدث للمدير في العمل بحجة الولاء، إلاّ أن مثل هذا السلوك يدخل ضمن الخيانة التي تخرج عن مفهوم الأخلاقيات لزملاء المهنة الواحدة، مشيرة إلى أحد زميلاتها، التي عرفت بينهن بنقل الكلام للمسؤولة في العمل، وأنها لا تكتفي بذلك إنما تغير مجريات الأحداث وتضيف عليها بعض الرتوش التي لم تحدث، كما أنها لا تترك مناسبة إلاّ وتحاول في نقاشاتها أن تثير الأحاديث التي تتعلق بالعمل وبالأنظمة وبقرارات المديرة، وكأنها تدفع زميلاتها للحديث بطريقة غير إيجابية حتى تستمتع بنقل تلك الأخبار الساخنة، مبينةً أن عديدًا من الموظفات أصبحن يعرفن الدور الخفي الذي تقوم به، وتلك التقارير التي تقدمها للمديرة من أجل أن تطلع على كل ما يقال ويفعل من خلفها، حتى فقدت هذه الزميلة احترامها بين زميلاتها وثقتهن بها.

غدرت بي

وانتقدت سهام بوحسون - تعمل في المجال التقني - مثل هؤلاء الشخصيات، التي ليس لديها قيم تتمسك بها، فالبعض ممن يحب القيام بدور "عين المدير" يمارس مثل هذه الأدوار وهو يعتقد أنها وسام شرف؛ لأنه قريب من مدير العمل، إلاّ أن الحقيقة أن الشخص الذي يطعن زملاءه من الخلف يعتبر خائنًا للثقة ولعرف الزمالة التي تقتضي أن يكون الشخص قريبًا من زملائه ويشعر بهم، مؤكدةً على الضرر الذي يلحق ببيئة العمل بسبب وجود مثل هذه النماذج، التي يتسبب نقلها للكلام ولمواقف الزملاء في قطع أرزاقهم، وهذا ما يحدث حينما يتحامل المدير الذي يسمع الحديث من طرف واحد ويصدق كل ما ينقل له دون أن يحاول التثبت من الأخبار التي نقلت له، ذاكرةً الحادثة التي تعرضت لها من أحد زميلاتها حيث دار بينهما حديث مطول عن حيثيات العمل، ونقاش بعض القرارات التي صدرت في الشركة، إلاّ أنها بعد أيام تفاجأت أن هذه الزميلة نقلت النقاش البريء الذي دار بينهما بطريقة غير حقيقية للمدير، رغبةً منها في إثارة بلبلة في العمل، مشيرةً إلى أنها سعت إلى توضيح موقفها للمدير الذي بدروه حاول تفهم الموقف، في حين أنها قررت قطع التواصل مع هذه الزميلة التي سعت جاهدة لنقل نقاش بريء بطريقة غير حقيقية، مبينةً أنها - مع الأسف - ما زالت تمارس الدور ذاته مع الكثيرات، وفي كل مرة تبتسم وتظهر في صورة المؤيدة والمتعاضدة مع زميلاتها، في حين أنها أحد تلك الخفافيش الذين لا يعرفون أن يتحركوا إلا في الظلام، حيث لا يعلمون أنهم بتلك المهمة التي يقومون بها يتسببون بضرر كبير قد يؤدي إلى الإضرار بزميل مهنة وقطع رزقه، وهذا أمر عظيم عند الله – سبحانه – ولا يجوز.

دور الجاسوس

وقالت منى عبدالله البيومي - رئيس قسم الموارد البشرية في الجمعية النسائية الخيرية الأولى بجدة-: إن أسباب ذلك التصرف من قبل بعض الموظفين تختلف من شخص إلى آخر، فبعضها نفسي وبعضها أخلاقي، ولكني حقيقة أود التركيز على السبب المهني هنا كوني رئيسة موارد بشرية، وهو سماح المدير لذلك الموظف بالقيام بدور الجاسوس، اعتقادًا من بعض المديرين أن هذه الطريقة تجعلهم يحيطون علمًا بكل ما يحدث، متسائلة: "من قال إن المدير لا بد أن يعرف كل ما يحدث في المنشأة؟"، "لماذا إذن وُظِّف المشرفون والرؤساء والمديرون وغيرهم؟"، "لماذا توضع الخطط والأهداف وبرامج التقييم والاجتماعات؟"، مضيفةً أن تعيين مثل هؤلاء في هذه المناصب هو الوسيلة المهنية الصحيحة لمتابعة العمل وتحقيق النجاح، لافتةً إلى أن من واجب المدير نهر الموظف الذي ينقل الأخبار والأقاويل ومعاقبته في حال التكرار؛ لأنه تصرف غير أخلاقي، فالجميع يعلم الآثار السلبية الناتجة عنه من مشاحنات وعداوات وخصومة، بل قد تضر شخصًا بريئًا لم يكن يقصد السوء بما نقل عنه، ذاكرةً أن من الوسائل المساعدة للتواصل مع الموظفين غير الاجتماعات الرسمية والاجتماعية، صندوق الاقتراحات، فبناء الاحترام والثقة بين جميع الأطراف مهم جدًا في أي منشأة، ناصحةً بإعداد وثيقة أخلاقيات العمل واعتمادها رسميًا ونشرها والعمل بها.

بيئة العمل تحتاج إلى مدير يقف على السلبيات ويعالجها دون مشكلات