برغم تنوع وسائل التواصل في العصر الحديث، وتقارب العالم من خلال انتشار الشبكة العنكبوتية، التي أسهمت في صنع شبكات اجتماعية وتعارفية بين البشر لا حدود لها، يبقي التواصل المباشر هو الوسيلة الصحيحة التي تعطي حكم حيادي على شعب من الشعوب، ومعرفة مدى ثقافته ومقدار تقبله للآخر ودرجة تعايشه مع ثقافات وأعراق أخرى.

ومع فتح المجال للتأشيرة السياحة في المملكة مع نهاية شهر سبتمبر الماضي تفتح "الرياض" الحديث في موضوع قبول الآخر، ومدى تأثيرنا في نقل صورة المملكة وهويتها الإسلامية والإنسانية، وتميز شعبها بتقديره لكل إنسان تصل قدميه لأرضها، وأهمية إسهام جميع الفئات في رسم صورة صحيحة عن واقع مجتمعنا من خلال تعاملهم المباشر مع السواح على وجه الخصوص، فهم بمثابة ضيوف في وطنك الكبير، وحسن التعامل يجعلهم ينقلون عن الوطن وشعبه الصورة الحقيقية البعيدة عّن الإعلام المضلل وأهداف بعض الحسابات المغرضة والموجودة بكثرة في وسائل التواصل الاجتماعي.

          استيعاب وتقبل

وتحدث محمد الحمزة -أخصائي اجتماعي وكاتب صحفي- عن جوانب تأثيرنا كمجتمع سعودي في نقل صورة إيجابية عن طريق السياحة الوافدة إلينا، وتناول أثر التعامل المباشر بين المجتمعات، في نقل صورة حقيقة عن ثقافة المجتمعات، قائلاً: التعايش ليس مجرد ترف فكري أو شعارات إعلامية؛ بل هو ضرورة وطن وحاجة شعب وحتمية طبيعية، والتعايش لا يعني الحب والموالاة والرضوخ بقدر ما يعني الاستيعاب والتقبل والاحتواء وهذا هو أساس قانون التعايش بين البشر، والذي يتطلب تحقيق العدل والإحسان في المعاملة لتحقيق أقصى درجات السلم الاجتماعي والظفر بالأمن والاستقرار الوطني، ومن بعد ذلك التفرغ لبناء الوطن والسعي لدفع التنمية والنهوض لمصاف الدول المتقدمة، وفِي هذا الشأن اتذكر مقولة للإعلامي ومقدم برامج إذاعية، الأمريكي برنارد ملزر: "إذا تعلمت كيف تختلف دون أن تصبح مقيتاً فقد اكتشفت أسرار التعايش"، مضيفاً: لا أصدق في هذا الشأن من الآية الكريمة: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين".

جانب إنساني

وعن أهمية احترام ثقافة الآخرين مهما اختلفنا عنها، قال الحمزة: من المفاهيم التي يتم الخلط فيها وإسقاط الذهنية السطحية عليها مفهوم الاختلاف، حيث يسود عند البعض أن الاختلاف يعني التضاد، وما يحمله مفهوم التضاد لديهم من عدوانية، يقول المهاتما غاندي: "الاختلاف في الرأي ينبغي ألا يؤدي إلى العداء، وإلا لكنت أنا وزوجتي من ألد الأعداء"، مبيناً أن مفهوم الاختلاف يحمل معنى التميز لمجال معين مع ما يتضمنه هذا التميز من أبعاد ورؤى مختلفة لا تعني بالضرورة دلالات التضاد مع مجالات أخرى لها أهميتها ودورها، وللإنسان حرية الاختيار حسب درجة الاهتمام للدخول في مجال أو عدد من المجالات أو حتى جميعها بناء على قدرته ووعيه، ولكن هذا الدخول يحتم عليه الأخذ بسمة التفكير الحر وبالتالي رفض سلبيات أحكام الخلط ومفاهيمه، وأيضاً فإننا نجد في المجال الواحد تبايناً في المفاهيم بناء على تحليل المتغيرات داخل ذات النطاق، فمثلاً التاريخ يتضمن عدة متغيرات ومنها الأحداث والسير الشخصية والسمات الاجتماعية والقوانين والإنجازات الحضارية، وكل متغير منها يحمل حزمة من المفاهيم ذات التحليل المتماثل، وتتداخل فيما بينها لغوياً ودلالياً ليتم بلورة مفهوم محدد، فإما أن يتم تصوير ذهني جديد أو خلق مفهوم جديد، ومن خلال التفاعل الضمني بين المفاهيم التصويرية والمفاهيم الجديدة يتكون معنى جديد ولكن داخل المجال عينه.

ويستطرد في الحديث حول التشارك في الحس الإنساني وروح التعاون بين الشعوب، فيقول: التنوع الطبيعي في الحياة هو سنة كونية ربانية، وهو جمال الوجود البشري وغير البشري، فاختلاف الثقافات واللغات والألوان والطبائع هو جانب إنساني بشري حتمي وقد جبل الإنسان السوي على تقبله والتكيف معه واستيعابه، وما سلوك البشر عبر التاريخ إلا تأكيد على تلك الحقيقة التي من يكابر عنها فهو يخالف الفطرة ويعارض السنن، والحضارات السابقة كان من أسس استمرارها وبقائها وقوتها هو مدى إمكانية تعايش أفرادها مع بعضهم بعضا ومع الآخر المختلف عنهم وحتى تكيفهم مع الكون والطبيعة.

صورة حسنة

وشدّد وليد السبيعي -متخصص في شؤون السفر والسياحة- على ضرورة الاهتمام بنقل ثقافتنا الحقيقية من خلال جميع الفئات المتعاملة مع السواح، بل ومن المجتمع جميعا، وقد يكون الأبرز في هذا الشأن التركيز على فئات هم الأكثر تعاملا مع السواح بداية من دخولهم الى المملكة، ففي المطار يتعامل مع منسوبي الجوزات والجمارك، ومع موظفي شركات الطيران والخدمات الارضية وغيرهم من العاملين بالمطارات والمنافذ عموما، وأيضا لدينا سفراء لهم دور مهم ممثلا في مسئولي النقل وقائدي سيارات النقل من مختلف الفئات والشركات، ومهم جدا دور المرشدين السياحيين والمرشدات وشركات ومؤسسات تنظيم الرحلات السياحية، ولا تنسى منسوبي الفنادق وكل العاملين المواجهين للجمهور، فدور الجميع  في نقل الصورة الطيبة والسليمة عن مجتمعنا مطلوبة ومهمة الجميع ، فمن خلال تواصلهم مع مختلف فئات السواح نرسم ونثمر رؤية حقيقية معاشة عّن واقعنا الذي نفخر به، ووفق هذا التوجه الجميع يستفيد من وجود السواح في بلادنا، وهي فائدة لا تقتصر على اقتصادنا الوطني، بل تتعدى ذلك لنكسب سفراء جدد لا حصر لهم سوف يثرون وينقلون عنا صور ومواقف لمسوها واقع معاش بين ظهرانيهم في أوساط مجتمعنا المرحب والمضياف، والذي يعرف ثقافات عالمية زارها، وسيكون ودود مع الجميع ومتفاني لخدمتهم عندما يتطلب دوره ذلك، مضيفاً: في شأن الاستفادة من السواح وإثراء تجربتهم أثناء زيارتهم لمختلف مناطق المملكة، تقوم الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، بدور جيد في هذا الجانب وبالتعاون مع جهات حكومية عديدة، ومنها قطاعات وزارة الداخلية مثل الجوزات وغيرها، حيث تنفذ عبر مبادرة "إثراء تجربة الزائر"، بحيث تركز من خلال هذا البرنامج على توضيح السلوكيات المعاصرة التي تناسب التعامل مع مختلف فئات السواح من جميع الجنسيات، وبالطبع في أغلبها سلوكيات إنسانية حميدة موجودة بالفطرة في الانسان، ومن الجميل ان يتم تعزيزها والتركيز عليها، وضرورة التحلي بها مع السواح، فهم يتأثرون بذلك، وأيضاً لهم إسهام في نقل هذا الأثر لأكبر فئة من الناس في أوطانهم.

رسالة سامية 

وركز فؤاد الكبيسي -مرشد سياحي- على جانب اهتمام السواح الأجانب على معرفة عادات وتقاليد الشعوب التي يزورنها، وقال: كان لي ومن قبل بدء التأشيرة السياحية في صورتها الجديدة، العديد من التجارب مع السواح الذين هم عادة من بعثات دبلوماسية تعمل بالمملكة العربية السعودية، أو من منسوبي مستشفيات وشركات كبيرة، وحقيقة عندما يخرجون من بيئتهم العملية لفضاء رحب في مختلف مناطقنا يسألون عن العادات والتقاليد الشعبية في بلادنا، ويهتمون بالجوانب الشعبية القديمة التي تعبر عن مكنون مجتمعنا وأرثه العريق، ويقدرون من يهتم بذلك بل ويشكرونه لأنه يعطي الصورة الأصيلة للمجتمع، فبرغم الحضارة هناك تاريخ نفخر به جميعا وننقله للآخرين وبدورهم ينقولونه لكل من هو في محيطهم، منوهاً بالإبتسامة وأثرها الإيجابي في السواح وفِي غيرهم، فمع الابتسامة يكون هناك تفاعل بين الناس وفتح أحاديث ودية  للتعارف وتبادل المعلومات العامة عن كل مجتمع، وحتى بدون الكلام فرسالة الابتسامة لها أثر كبير في النفوس، وديننا الإسلامي يحثنا على مواجهة البشر بنفس راضية مبتسمة ومرحبة بالجميع في وطننا الذي يكن الاحترام لكل الشعوب.

سياح من أوروبا يوثقون بجوالاتهم معلماً تراثياً
جانب من زيارة سياح لمتحف خاص بجزيرة فرسان
إثراء تجربة الزائر مبادرة تكشف اهتمام المملكة بالسياح
فؤاد الكبيسي
محمد الحمزة
وليد السبيعي