ذات الجملة سمعتها في مواقع عامة في ثلاث دول عربية؛ قاسمها المشترك حديث أبناء تلك الدول عن الخطوة غير المسبوقة على الأصعدة العالمية كافة في محاربة الفساد.. هم يتحدثون عن نتائج ما آلت إليه نتائج اللجنة العليا التي أمر بها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.. التي انتهت إلى استعادة قرابة 400 مليار ريال..

حتى يمكن البدء بمرحلة بناء تتسم بالاستدامة؛ لابد أن تكون أرضية البناء نظيفة.. خالية من شوائب أي تجاوزات مالية، أو حتى استغلال للنفوذ؛ تلك هي الرؤية التي أطلقها سمو ولي العهد مستهدفة الوصول إلى مرحلة تنموية مهمة في 2030 تقوم على تقليل الاعتماد على النفط وخفض البطالة، والتوسع في أداء القطاع الخاص أفقياً ورأسياً..

صحيح أن تلك الخطوة أحدثت صدمة للجميع؛ لكنها بالتأكيد إيجابية.. بل إن صداها تجاوز أحاديث المجالس محلياً، وأرصفة المقاهي في شوارع الدول العربية، والإعلام العالمي المحب والمحايد أو حتى الكاره لنا.. لذلك كان الصوت عالياً في ميدان العواصم العربية التي تظاهرت ضد الفساد الحكومي مطالبة باستنساخ عملية الاستئصال لورم الفساد في المملكة، قبل أن ينتشر ويصبح من الصعب السيطرة عليه.. فقد كان (تجمع الريتز كالرلتون) بمثابة العلاج وإن كان قوياً، لقطع دابر مرض الفساد، والتأكد من عدم رجوعه صغيراً كان أم كبيراً..

من هنا يمكن القول: إن التجربة السعودية في مكافحة الفساد أصّلت لمرحلة مهمة في التاريخ الحديث، وباتت نموذجاً ليس يحتذى وحسب، بل مطلباً لشعوب ودول تعاني ضروب الفساد الذي وصل حد لقمة العيش، وتحولت دول طالماً كانت كنزاً لا ينضب للغذاء.. إلى مشهد لا يسر المحبين.. وغدا أقصى مطالب شعوب تلك الدول توفير الغذاء والدواء..

في دول مثل نيجيريا، الهند، بلغاريا، ماليزيا، المكسيك، سنغافورة، الولايات المتحدة، تجارب متباينة في محاربة الفساد، وبعضها نجح في القضاء عليه تماماً..

الشفافية في عموم التعاملات المالية، من إيرادات ومصروفات.. وحوكمة العمل بحيث يخضع لمعايير قياس واضحة، تعتمد على الكفاءة والجودة؛ هي أهم ما في التأسيس الحقيقي لبيئة خالية من الفساد المالي، أو القائمة على المحسوبية والنفوذ.. ولعل الإعلان الربع سنوي للميزانية السعودية، وحتى الكشف عن موازنات السنوات المقبلة المتوقعة، تؤكد ما ذهبت إليه من أهمية حوكمة العمل الحكومي في كل مكوناته، علماً أنها بدأت من قمة الإدارة الاقتصادية المتمثلة في مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية؛ الذي أصدر قراراً مهماً في تعزيز هذا الجانب بـ"اعتماد إطار حوكمة تحقيق رؤية المملكة 2030" بهدف الإشراف على سير عمل البرامج التنفيذية للرؤية، ومتابعة نتائج التقارير للتأكد من تحقيق أهدافها.

التظاهرات التي عمت كثيراً من دول المنطقة، مطالبة بتحسين أوضع معيشتها، وتحقيق العيش الكريم هي نتاج لمرحلة طويلة من الفساد الذي نخر جسد تلك الحكومات.. لذلك نؤكد أن مكافحة الفساد باتت ضرورة لاستدامة التنمية، وضمانة النمو الاقتصادي، والتوسع في التوطين الوظيفي، وليس ترفاً إدارياً.