شعلة تطوير التعليم تشبه شعلة الألعاب الأولمبية فهي لا تصل إلى هدفها إلا بالعمل الجماعي.. تنطلق من الميدان التربوي، ثم تمر بأفراد المجتمع، ثم بالإعلام، ثم بمجلس الشورى، ثم بهيئة تقويم التعليم والتدريب، ثم تعود للوزارة التي سوف تستقبلها مهما كانت حرارتها للاستنارة بها في عملية التطوير المستمرة..

يحظى التعليم في المملكة بالأولوية من حيث الدعم الحكومي إيماناً بأن التعليم هو أساس البناء والتنمية والتقدم في كافة المجالات. ورغم أن نسبة كبيرة من ميزانية التعليم تذهب للرواتب، إلا أن مشروعات التطوير تحظى بميزانيات خاصة. هذه المشروعات التطويرية قديمة ومتتابعة ومتجددة. تستمر مشروعات التطوير ويستمر نقد التعليم. ما السر في ذلك؟

هل مشروعات وبرامج التطوير لا تترجم إلى أرض الوقائع؟

هل هناك تسرع في نقد برامج التطوير؟ هل نتائج التطوير لا تصل إلى المجتمع؟ هل خطط ومشروعات التطوير من الضخامة بحيث يصعب تنفيذها دفعة واحدة؟

ليس من المبالغة القول إن قضايا التعليم هي الأكثر تداولاً في المجتمع سواء عبر القنوات الرسمية مثل مجلس الشورى أو هيئة تقويم التعليم والتدريب أو من خلال الطرح الإعلامي، أو اللقاءات الاجتماعية، هذا الحضور لموضوع التعليم ظاهرة صحية وتفاعل إيجابي مع موضوع هو الأهم. شعلة تطوير التعليم لا تنطفئ لأن الطموحات كبيرة، ولهذا تستمر الملاحظات والتقييم، هذا الحراك النقدي المستمر حول التعليم يستند إلى تقارير الوزارة السنوية ودراسات اللجنة المختصة بالنسبة لمجلس الشورى، ويستند على علاقة البيت بالمدرسة ومتابعة أولياء الأمور بالنسبة للنقاشات الاجتماعية، أما بالنسبة لهيئة تقويم التعليم والتدريب فهي الجهة التنظيمية القائمة على تقويم التعليم لتحقيق الجودة، وتستند في تقييمها على الاختبارات، والدراسات، والبحوث.

نتائج الاختبارات الوطنية التي أعلنتها الهيئة مؤخراً تشير إلى أن التحصيل العلمي لدى الطلاب لا يزال دون المستوى المطلوب، ودعا رئيس مجلس إدارة الهيئة الباحثين للغوص في إشكاليات التعليم العميقة مع دعم الهيئة لهذا النوع من الدراسات التي تشخص أسباب الخلل.

حين تنتقل شعلة تطوير التعليم إلى مجلس الشورى نجد أنه ينتقد أداء الوزارة في التعليم العام والتعليم الجامعي وأنه لا يحقق طموحات رؤية المملكة، ولهذا يتجه المجلس اتجاهاً استراتيجياً ويطالب بإعادة النظر في استراتيجية إصلاح التعليم. ويقدم المجلس توصيات جوهرية منها إعداد دراسة تفصيلية للقيمة المضافة التي قدمتها شركة تطوير التعليم، وبرنامج وطني لرفع معنويات المعلمين. (راجع جريدة الرياض، 14 صفر 1441).

وتنتقل شعلة تطوير التعليم إلى دراسات أجريت على مناهج التعليم العام في المملكة كشفت عن وجود فجوة بين المعايير الوطنية للمناهج السعودية وواقع الكتب الدراسية في مدارس التعليم العام تتراوح نسبتها ما بين 25 % إلى 80 %. (راجع جريدة الرياض، 10 صفر 1441).

تنتقل شعلة تطوير التعليم إلى الجامعات وهنا ملاحظة قديمة ومتجددة حول الدور البحثي للجامعات. البحث العلمي نشاط أساسي من أنشطة الجامعات، وهي بما تملك من كوادر بشرية مؤهلة للبحث يفترض أن تشخص مشكلات المجتمع وتشخص على وجه الخصوص واقع التعليم، وتقدم الحلول العملية والمبادرات من منطلق مهامها، ومسؤولياتها الاجتماعية.

التعليم منظومة كبيرة، ومسؤولية يشترك في تطويرها من يملك أدوات البحث العلمي، ومن يحلل التقارير، ومن يقيم من خلال أبنائه، الإعلام له دور كبير في نقل شعلة التطوير، قد لا يقدم دراسات بحثية ولكنه يدفع الجهات المختصة لفعل ذلك، المنظومة تكتمل بالعاملين في الميدان من المديرين والمعلمين والمشرفين، لو انتقلت شعلة التطوير إلى مدير المدرسة، قد يتحدث عن بيئة المدرسة أو نقص المعلمين، ولو انتقلت إلى المعلم فسوف يحدثك عن المشاركة في اتخاذ القرارات التي تهم الميدان، ويحدثك عن الروح المعنوية والحوافز، وعدد الطلاب في الصف. ولو انتقلت إلى هيئة تقويم التعليم أو الجامعات فسوف تجري الدراسات والأبحاث للتقييم والتقويم وهي المسؤولية المنوطة بها.

إن شعلة تطوير التعليم تشبه شعلة الألعاب الأولمبية فهي لا تصل إلى هدفها إلا بالعمل الجماعي، شعلة تطوير التعليم تنطلق من الميدان التربوي، ثم تمر بأفراد المجتمع، ثم بالإعلام، ثم بمجلس الشورى، ثم بهيئة تقويم التعليم والتدريب، ثم تعود للوزارة التي سوف تستقبلها مهما كانت حرارتها للاستنارة بها في عملية التطوير المستمرة، لأن وزارة التعليم بحكم رسالتها ومسؤولياتها هي القدوة في تقبل النقد والطرح الموضوعي والتفاعل مع الملاحظات بروح علمية، ومن مبدأ الشفافية مثلاً أن يسمع المجتمع من الوزارة رأيها في مقترح مجلس الشورى الذي يطالب بإعادة النظر في استراتيجية إصلاح التعليم، وإعداد دراسة علمية تفصيلية للقيمة المضافة التي قدمتها شركة تطوير التعليم.