يحكى أن مجلس البرلمان البريطاني أصيب في الحرب العالمية فدُمر جزء كبير منه، وكان قبل تدميره محل انتقاد كبير من النواب، حيث كان البرلمانيون يسعون إلى إعادة تصميمه قبل الحرب. لكن نظراً للتكلفة التي لم تقر لإعادة التصميم، أخّر العمل عليه إلى أجل غير مسمى حتى قامت الحرب. في الحرب، دمر جزء كبير من البرلمان وأصبحت الحاجة ماسة لإعادة البناء. عندها عرض تشرشل على البرلمان إعادة بناء الجزء الذي تدمر من البرلمان على النمط الذي كان يطالب به البرلمانيون سابقاً، إلا أن المفاجأة أن الأعضاء رأوا الإبقاء على التصميم القديم وتراجعوا عن رغبتهم السابقة. عند ذلك علق تشرشل في خطاب له: في البدء نحن من يشكل المباني، حتى إذا قامت شكلتنا هي.

قصة البرلمان البريطاني تدل على قدرة الإنسان على التأقلم مع الأوضاع ضد التغيير وإن كانت الأوضاع غير مثالية. قدرة الإنسان الفائقة على التأقلم عقبة أمام حاجته إلى التطور وبالتالي الابتكار. يرتبط الابتكار المؤسسي عضوياً بقدرة المؤسسة على التغيير. وكما هو معروف، فإن الابتكار سواء في المؤسسة أو في المجتمع، ينتج منه تغيير بالضرورة. تغيير في أسلوب العمل، في أدواته وفي منهجيته. لأجل ذلك يتطلب أن يسبق الابتكار في المؤسسة وجود رغبة في التغيير بما يكفي للبحث عن طرق جديدة لحل المشكلات. فوجود المشكلة سابق للرغبة في التغيير، فالمشكلة هي المحرك الذي يدفع بالفرد أو المجموعة إلى الخروج من نمط العمل المألوف إلى ما يمكن أن نعتبره نمطاً مجهولاً، تعتوره مخاطر بحدوث مشكلات أخرى. ويقابل المخاطر فرص تعد بمستقبل أفضل تجلب منافع تستحق التضحية. هكذا يتأرجح الشعور بين الخوف والأمل كمن يسير على حبل مشدود على ارتفاع شاهق.

لذلك على المؤسسات أن تفتح منافذ للابتكار، ومن أهم منافذ الابتكار المؤسسي الاتصال الفعال والشفافية. فإذا كانت بيئة المؤسسة محافظة تخفي تجاربها الفاشلة عن نفسها أولاً والآخرين ثانياً، فإنها لن تستطيع أن تبتكر حلولها أو تعالج مشكلاتها. فكما لدى أعضاء البرلمان البريطاني مانع ذاتي نحو التغيير، قد نفسره بالحنين والألفة، يوجد حاجز آخر هو الخوف من الاعتراف بالفشل. ينتج عن الخوف من الاعتراف بالفشل مشكلات أخرى ناتجة منها، تعزز لدى الفرد الرغبة في المقاومة. تبلغ المقاومة لدى الأفراد أمداء بعيدة، فتبذل طاقة مماثلة للطاقة المبذولة في الابتكار، حتى تبتكر وسائل جديدة للمقاومة ربما فاقت في فرادتها وقيمتها الإبداعية الابتكار الذي تقاومه. ويحرك الإنسان للمقاومة في حالة الخوف غريزة البقاء، وإذا عزز الشعور بالخوف بسياسة السرية والتكتم على ما يستحق وما لا يستحق من المعلومات، فإن الشعور بالتوجس وعدم الثقة ينتشر في المؤسسة حتى يصبح التشكك جزءاً من ثقافتها. في هذه الحالة، أقم على الابتكار مأتماً وعويلاً، كما يقول الشاعر.