أذية اللسان التي تغرف من سوء القصد اعتبرها القرآن عظيماً «وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم»، ولذلك وصّى نبينا صلى الله عليه وسلم معاذاً أن يتقي اللسان؛ فإن خطأ اللسان بمفرده شيء عظيم..

كثير هم الباحثون عن النجاح، وكثير من هؤلاء يهتدي إلى السبيل الأيسر والأخصر لتحقيق ما يسمو إليه من أهداف وضعها نصب عينيه، وجنّد لها كل طاقاته الفكرية والبدنية المتاحة، وجاعلاً نجاحات الآخرين من أهم المحفزات التي تحدو به إلى الوصول إلى المرام، وهو الأمر الذي ينبغي لكل ساعٍ لبناء الوحدة التكاملية للمشمرين في طريق النجاح أن يتحلى به، ويذود عن حياض سعيه تلك النزغات الإبليسية التي تجعل من الخامل عن تحقيق هدفه معولًا لهدم الآخرين، كي يتساووا به أو ربما أثقل بمرزبَته عليهم حتى يبدو أرفعهم وأعلاهم، وحينئذ يخلو له "فضاء الادعاء" ليرتقي بوهم الأفضلية، وهو خالي الوفاض بعد تجشم الصعود على أطلال منافسيه، وما ألصق به حينها هِجِّيرى الوعاظ:

فَد ذَهَبَ الصَيّادُ عَنكِ فَاِبشِري

وَرُفِعَ الفَخُّ فَماذا تَحذَري

خَلا لَكِ الجَوُّ فَبيضي وَاِصفِري

وَنَفِّري ما شِئتِ أَن تُنَفِّري

وقد تجد في مسيرتك الكثير والكثير من هؤلاء المتسلقين وهمَ النجاح بمحاربة الآخرين، وهو لا شك سلبية من سلبيات الإنسان القاصر عن إدراك معنى "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" وبالأخص عاجز عن إدراك المعنى الأعم لكلمة "إنسان" إذا ما أنصفنا ما قيل في معناه، فإن المعتاد عند كثير من الناقلين أن يذر على "القيل" رمال الإيهام بأن لا قول غير ما أكده واختاره وأما ما لا يتناسب مع ميوله فيصدره "بقيل" وليس مقصدي بهذه الملحوظة الاعتراضية أن ما قيل في معنى "إنسان" مغيب بالقصد. ولكن الشيء بالشيء يذكر، فقد قيل سمي إنسان "لأنه يأنس بغيره ويأنس به غيره فليس متوحشا". ولا نجد هذا المعنى موجودًا في من يحاول ويسعى بكل جهده لاستعداء بني جنسه على نفسه بمحاولته التنقص منهم وإعاقة طريقهم، بل والأسوأ الذي لا يجد له العاقل تفسيرًا غير تبدي الجوهر الحقيقي لهؤلاء وهو التأقلم على معاداة الآخرين والتلذذ بأذيتهم، بل وربما فعل الخطيئة ورمى بها من امتلأت نفسه ببغضهم ليس إلا لعجزه عن اللحاق بهم، أو تحقيق شيئًا يذكر يعد به في زمرتهم، وفي التنزيل الكريم "ومن يكسب خطيئة أو إثمًا ثم يرم به بريئًا فقد احتمل بهتانًا وإثمًا مبينا" وقد تلحظ -بغير إرادة التدقيق في أفعال الناس وأقوالهم وتتبع عثراتهم– فقد نهى الإسلام عن ذلك ولكن قد يكشف عن نفسه أحيانًا بعض هؤلاء فترى أنه قد اجتمعت فيه كثير من الأخطاء والشرور التي يوزعها على عباد الله ويذم بها من أراد اللحاق بهم فلم يستطع فجعل "البهت" سلمًا ليحقق به رغباته ويشبع به نزواته حين قصرت إرادته وعزمه عن أن يكون إنسانًا..

لقد قَصُرَتْ أيديهِما عن مَنالِه

زَماناً ولكن صيَّرا البُهْتَ سُلَّما

ولذلك نزل القرآن الكريم ليكون متممًا لمعانٍ قد يجهل كثير من الناس تمامها، فجعل بين اللسان وبين "حرمات الآخرين" حرمات وأسواراً لا يتقحمها إلا من تقصّد الأذية، فإن الخطأ قد يقع في تجارة وفي معاملة وفي فعل قد يجر سوءاً على أحد دون قصد الأذية، ولذلك استقام سبيل الحلال والحرام، وأما أذية اللسان التي تغرف من سوء القصد فقد اعتبرها القرآن عظيماً "وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم" ولذلك وصى نبينا صلى الله عليه وآله وسلم معاذاً بأن يتقي اللسان فإن خطأ اللسان بمفرده شيء عظيم، فكيف لو كان رديفاً لسوء القصد على سرج البهت وأذية الآخرين ووسمهم بما ليس فيهم، وتقويلهم ما لم يقولوا وتحميلهم سوء ما لم يفعلوا؟

وقاكَ من الأَسواءِ كلُّ منافسٍ

يَرى الغِيَّ أَهدى في الأمُور إلى الرشْدِ

هذا، والله من وراء القصد.