في المتحف البريطاني شيء باهر: عُمْلة ذهبية إسلامية.

ليس هذا فريدًا اليوم، فالتاريخ الإسلامي يمتلئ بأنواع العملات، لكن هذا الدينار الذي يرجع إلى القرن الأول الهجري له قصة فريدة: إنه يُظهِر رسمة للخليفة!

العرب كانوا يعرفون العملة الذهبية (الدينار) والفضية (الدرهم)، التي تعاملت بها الأمم المجاورة من الفرس والروم، لكن امتاز عصر عبدالملك بن مروان بشيء كبير، وهو توطيد الدولة الإسلامية بعد سنين من القلاقل والفتن التي كادت تودي بوحدتها، ومن أبرز أمارات هذا الثبات السياسي سك العملة، فالأقاليم التي كانت تحت سيطرة الروم تعتقد أن الإمبراطور سيحررها يومًا ما، وتداولت الدنانير الرومية عليها صورة الإمبراطور، لكن بعد سنين من الاستقرار ظهرت أول نقود إسلامية، وأظهرت أن الإسلام ليس ظاهرة وقتية زائلة، وهذه العملة فريدة لا نعرف لها نظيرًا في تاريخ الإسلام والسبب الصورة المذكورة.

للعملة وجهان، وجه يصور عبدالملك واقفًا يواجهك، له لحية، ويلبس رداء وعمامة، يده تمسك بسيف معلق في خصره، وكأنه على وشك أن يثب ليقاتلك. كان مقصودًا منها إثارة الرهبة والهيبة. أما الجانب الآخر فصورة عمود فوقه دائرة، لا يتضح المقصود منها.

من محاسن ابن مروان أن الفتوحات الضخمة في عصور الخلفاء الراشدين استقرت واطمأنت، ومن كان يتربص أن يخلع الحكم الإسلامي من المناطق الفارسية والرومية يئس الآن من زوال حكم المسلمين، فظهرت المؤسسات الاجتماعية والحكومية، وبُنيَت المدارس، وحُرِسَت الثغور، وسُكَّت العملة، وتغلغلت العربية في عروق البلدان.

لكن تلك العملة تغيرت. بعد إصدارها بسنة (أي عام 77هـ) أزال عبدالملك صورته منها، وصار الوجه الأول يقول «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون»، والوجه الآخر «الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد». وهذا هو التصميم الذي استمرت عليه العملة الإسلامية مئات السنين، ولم يعرف الناس أي قالب للعملة غير ذلك في مختلف الأقاليم، إلا ذاك الدينار الفريد.