عقدت في الرياض الأسبوع الماضي الدورة الثالثة لـ «مبادرة مستقبل الاستثمار». وهذه الدورة تختلف عن الدورة الثانية، ليس فقط بالحضور الواسع وعالي المستوى من قبل بعض الدول مثل الهند والبرازيل والأردن، وإنما بالمحاور والموضوعات التي تمت مناقشتها واللقاءات التي تمت خلالها. فما الذي جاء بكل هؤلاء القادة والمسؤولون ومديري الشركات إلى بلدنا لحضور هذه المناسبة؟

بالفعل، فإن الاقتصاد العالمي الذي يعيش الآن ليس أحسن أوقاته ينظر إلى رؤية المملكة 2030، باعتبارها واحدة من العربات التي يمكن إعطاؤها دفعاً للاقتصاد العالمي متباطئ النمو. ففي ظل تراجع فرص الاستثمار في العالم هناك المملكة التي لديها مشروع طموح لإعادة هيكلة الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط. فبحلول عام 2030، يتوقع أن تنخفض مساهمة قطاع النفط في الناتج المحلي الإجمالي إلى 11 % فقط. وهذا الانخفاض عائد إلى الدور الكبير الذي تعطيه إعادة الهيكلة لقطاع الأعمال التي من المتوقع أن ترتفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي وتصل إلى 84 %. وهذا لن يتحقق دون زيادة الانفاق الاستثماري المحلي ونمو تدفق رؤوس الأموال العالمية علينا من الخارج. فرؤية المملكة تفترض تضاعف الإنفاق الاستثماري ووصول مجموعه التراكمي خلال إعادة الهيكلة إلى 4.3 ترليونات دولار.

ولهذا، فإن ممثلي الشركات وصناديق الاستثمار العالمية تقاطرت على عاصمة بلدنا لحضور «مبادرة مستقبل الاستثمار» الثالثة، وذلك لمعرفة الفرص التي تنتظرها في المملكة. وهي بالتأكيد فرص كثيرة وواعدة. فإعادة هيكلة الاقتصاد سوف تحتاج إلى استثمارات ضخمة في القطاعات التي لا تزال مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي ضعيفة، وذلك مثل السياحة والصناعة التحويلية والزراعة وغيرها.

وطبعاً، فإن اكتتاب أرامكو يشغل كافة الأسواق المالية في العالم. فالأسواق الكبيرة في المملكة المتحدة والولايات المتحدة والصين وغيرها كلها تطمع، بأن تجري هذه العملية الكبرى أو جزء منها في أسواقها. فالمستثمرون يترقبون موعد وحصة الطرح في الأسواق المحلية والعالمية - خاصة وأن أرامكو قد أعلنت اعتزامها توزيع أرباح أساسية على ملاكها بقيمة 75 مليار دولار في عام 2020، وإنها تنوي زيادة تصاعدية في الأرباح الموزعة خلال السنوات اللاحقة.

إذاً، فبلدنا في طريقه للتحول إلى سوق جذب للاستثمارات المباشرة وغير المباشرة. وهذا من شأنه أن يغير مسار الاستثمار ويعوض عن الانخفاض الذي طرأ عليه خلال العام الماضي 2018، على أثر مكافحة الفساد. ولذلك، فإن الأمر يحتاج إلى مواصلة تطوير قوانيننا وإجراءاتنا المتعلقة بالاستثمار وسهولة ممارسة الأعمال حتى نتحول إلى أهم سوق جاذبة لرؤوس الأموال الإقليمية والعالمية، لكي نمكن إعادة هيكلة الاقتصاد من الحصول على الأموال التي تحتاجها.