في مساء يوم الأربعاء وليلة من ليالي الخميس، وفي حي من أحياء جوهرة المدن التي يزداد بريقها كل يوم «الرياض»، نكون على استعداد تام لرحلة نحو أعلى نقطة من منزلنا الصغير، فيأخذ كل منا لحافه، ووسادته ويصعد الدرج كما يصعد المسافر درج الطائرة ليذهب إلى مكان طالما حلم به زمنًا، فشعور الفرح كان يملأ دواخلنا، فتحمل أمي كأسًا كبيرة بداخلها ماء تقوم بنثره على السطح، مثل حبات اللؤلؤ المتساقطة التي تعطي المكان بهاء، ويختلط بالهواء لنستنشق رائحة الجمال، ويكون المكان أكثر برودة. نعم، نحن نعد هذا اليوم كالمحفل لدينا لتلقي أمي حكاياتها علينا، نستمع بكل هدوء لها، وجمال الحديث يمنع السامع من الكلام، فنحن التلاميذ وهي المحاضرة في ذلك اليوم، يتكرر هذا في نهاية كل أسبوع، وتتكرر القصص فهي ثلاث حكايات كل مرة نسمعها كأنها أول مرة، تلقى علينا لا نمل المكان ولا الحديث والأحداث.

تكرار المحاولة في التعليم هو إصرار على التقدم نحو الأهداف والرؤية التي نحملها في داخلنا، قالوا لنا: إن لم يفتح أمامك الباب، فَغَيِّرْهُ لعلك تصادف أمنياتك وأهدافك، أما أنا أقول: لا تغير الباب غير طريقة قرعك له إذا كان الباب عظيمًا كباب من أبواب القصور، عندما نقرع باب القصر بإبرة أو بأعواد صغار، ثم نرمي اللوم على أهل هذا القصر بعدم الفتح، فأنت كهذا الشخص.

إن طرق الأبواب العظيمة يحتاج إلى مطرقة عظمية لتحدث الضجيج، ولتسمع الأصم، ويرى بريق طريقك الأعمى، فالإصرار على النجاح هو النجاح في ذاته، فيمنعنا من الاستسلام والإحباط، ليس عيبًا أن نكرر المحاولة، وإن فشلنا في المرتين الأولى والثانية حتى المرة العاشرة، فالتكرار يعلمك ويلهمك طُرقًا، ويأخذك إلى عالم الابتكار، وإنشاء طريق لك أنت، فتستطيع المرور سريعًا.

وتكرار حكايات أمي ولد لدينا عدة قيم، فأصبحت كالنقش على الحجر لا نستطيع إزالته، فالحب والرحمة والطيبة ونقاء القلب مهما حاولت الدنيا أن تجردنا نرجع سريعًا إلى ما زرعته، نعم تتأخر الأحلام، ويطول قرع الأبواب ربما تصدأ مطرقتك، ولكن الطرق يزرع لك عدة قيم، ويصقل مهارات لديك، وتكتشف قوتك ومواهبك، فتصل إلى مرادك بكامل قوتك وبهائك وهيبتك، فأجمل ما تقرع هو باب الله.

وقيل أن لا شيء في العالم يحل محل الإصرار، فينبوع الإصرار هو ثقتك بنفسك وبما تحمل، كل الأقوياء وأبطال العالم كان سلاحهم الإصرار والدافعية، وربما غدًا تحمل الكأس.