رغم أن العصر الإسلامي الذهبي يدين بالفضل لمطبعة دار الحكمة في العصر العباسي لترجمة كتب العلوم والفلاسفة السابقين من اليونان وروما، إلا أن هناك أقوال تذكر أن المسلمين كانوا مهتمين بالفلسفة قبل أن يطلعوا على تاريخ وتراجم علماء الفلسفة اليونانية تحديدا، وأن شعلة تلك العلوم بدأت مع فجر الإسلام وتوجيهات القرآن العديدة التي حثت على التفكر والتعقل والنظر وسبر أغوار العلم والحكمة مثل قوله تعالى (أفلا ينظرون إلى السماء كيف رفعت) والنظر هنا بمعنى سعة الاطلاع والتفكر والتأمل، وأيضا زاد ذلك علما بعد التعرف على ما قدمه الفلاسفة السابقون.  

من أهم مصادر الفلسفة والتي استفاد الغرب منها حاليا وقاموا ببناء بعض المفاهيم التي اعتمدت عليها الحضارة الغربية هي شروحات وفكر ابن رشد (أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد)، قاضي قضاة الأندلس والذي في مسيرته الكثير من الأحداث من عشقه لأرسطو إلى تلك المحنة وخيبة الأمل التي جعلت العوام ينالون منه ومن ابنه وإهانته وفِي بيت من بيوت الله. ابن رشد ذلك العالم الجهبذ والذي آلت معرفته إلى تأليف كتاب تهافت التهافت والذي كان ردا على العالم الغزَالي بخصوص كتابه تهافت الفلاسفة والذي كان أيضا ردا على نظريات علماء وفلاسفة المسلمين الذين منهم ابن سيناء والفارابي. 

من أهم نقاشات النظريات الفلسفية في تلك الحقبة هي السببية أو العلة بمفهوم الفلاسفة المسلمين. كانت السببية محل نقاش وجدل وتحليل لمفهومها بين العلماء ولن أخوض في تفاصيلها التي تحتاج لوقت وجهد وتأصيل، ولكن سأوضح كيف استفاد العالم الغربي من الفلسفة والفلاسفة بخصوص نظرية السببية. 

باختصار وتبسيط الفكرة، إن السببية أو العلة تعني أن لكل حدث أو ظاهرة مهما كانت سببا أو علة وهذا مبني على قوانين ونواميس للكون من صنع الخالق سبحانه وتعالى ويستثنى منها بعض المعجزات التي اختص الله بها الأنبياء في وقت وزمن معين. أما عدا ذلك فهي أحداث تترتب على أسباب وعلل، ولعل أقرب مثال لذلك عندما أمر الله سبحانه وتعالى مريم قائلا (وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً) مع أن الله سبحانه قادر أن يسقط التمر دون سبب ولكن قانون الكون والذي من صنع الخالق جعل لكل شيء سببا، ومن هذا المنطلق اعتمد الغرب على صناعة الأنظمة واللوائح التي تنظم الحياة في شتى المجالات سواء الاجتماعية وغيرها. 

ترك الأمور والإجراءات على عواهنها دون تنظيم وسياسات وإجراءات من أصغر الأمور إلى أكبرها ورمي الأحداث على القدر دون أخذ الأسباب بعين الاعتبار قد يتسبب بأحداث لا تحمد عقباها في شتى المجالات لذا نرى العالم المتقدم يصنع الأنظمة والقوانين واللوائح لأي إجراء في جميع مناحي الحياة، ومن هذا المثال البسيط يتبين دور الفلسفة والفلاسفة للتطور العلمي والاجتماعي والأمثلة عديدة غير ذلك لعل نذكرها في مقال آخر.