«الحرية الأكاديمية»، تمثل عصب التعليم الجامعي، وتحدد مستوى العقل النقدي المبدع، الذي يفترض أن تنتجه الجامعة لقيادة التنمية والمساهمة في الإنتاج، وقد كنت أربط تعثر الحرية الأكاديمية في الجامعة السعودية بالتعثر الإداري الواضح، الذي يسمح لمدير الجامعة بالتدخل في قبول الطلاب والمسارات الأكاديمية، ويعين العمداء ورؤساء الأقسام..

مجرد الحديث عن نظام جديد للجامعات السعودية يعني ضمنيًا أن هناك أزمة كامنة تواجهها الجامعات، ويبدو أن هذه الأزمة نشأت منذ وقت مبكر، جعلت من كفاءة الجامعة مقابل ما تصرفه الدولة عليها على المحك ومثار تساؤل مبرر. النظام الجديد يقترح آلية إدارية تعوض غياب وزارة التعليم العالي، أو اندماجها في وزارة التعليم، من خلال تأسيس مجلس شؤون الجامعات، ولا أعلم إن كان هذا المجلس سيكون عبارة عن منظمة إدارية ذات خبرة في شؤون التعليم العالي وسياقاته المحلية والعالمية، أو هو عبارة عن مجموعة أشخاص مهمتهم إبداء الرأي حول ما يطرح عليهم من ملفات. وما أقصده هو: هل سيتكون هذا المجلس من باحثين وخبراء يعملون على تزويد أعضاء المجلس بالدراسات والأفكار والتوجهات الجديدة في التعليم العالي؟ هذه الأسئلة حول هذا المجلس الذي يبدو أنه سيشكل مستقبل الجامعات السعودية، وربما مستقبل التنمية في المملكة - تكتسب أهمية في هذه المرحلة التي نعيش فيها تحولًا كبيرًا في كل شيء تقريبًا.

ربما أنا أبحث عن مفهوم «الحرية الأكاديمية»، التي تمثل عصب التعليم الجامعي، وتحدد مستوى العقل النقدي المبدع، الذي يفترض أن تنتجه الجامعة لقيادة التنمية والمساهمة في الإنتاج، وقد كنت أربط تعثر الحرية الأكاديمية في الجامعة السعودية بالتعثر الإداري الواضح، الذي يسمح لمدير الجامعة بالتدخل في قبول الطلاب والمسارات الأكاديمية، ويعين العمداء ورؤساء الأقسام، حتى أن الجامعة أصبحت تمثل شخص المدير one man show، وهذا إجهاض للبيئة الأكاديمية النقدية أو النشطة فكريًا، القادرة على تصحيح مساراتها. دون شك، إن مجلس شؤون الجامعات مع مجلس الأمناء لكل جامعة الذي يحددهما نظام الجامعات الجديد سيغير من هذه السياسة الإدارية، وسيفكك الصورة الذهنية التي تربط الجامعة بالأشخاص إلى ربطها بالكفاءات التي يقترحها المجلسان بمن فيهم مديرو الجامعات ونوابهم والعمداء ورؤساء الأقسام.

في اعتقادي أن هذا يمثل حركة تصحيحية للحرية الأكاديمية، ستجلب دون شك «التنافس الأكاديمي»، الذي هو عصب البيئة التعليمية، وأرى أن خلق نوع من التوازن بين «إعانة الدولة» للجامعة وتطوير موارد الجامعة الذاتية مهم جدًا، وقد يكون في البداية هاجسًا يؤرق الجامعات الضعيفة والتقليدية، التي لم تستطع أن تبني خلال السنوات الفائتة منظومة «استثمارية» واضحة، سواء على مستوى رأس المال البشري داخل الجامعة أو على مستوى الاستثمار الفعلي لموارد الجامعة. النظام الجديد يعطي بصيص أمل أن «مديري الجامعات» في المرحلة المقبلة يجب أن تكون همومهم هي «إدارة العلاقات العامة والاستثمار والتطوير» بدلاً من التدخل في الشؤون الأكاديمية ومتابعة قبول الطلاب وترك هذه المهمات لنوابهم.

ربما هذا يتطلب ثقافة إدارية تتجاوز المراتب الحكومية التي تجعل من يدير الجامعة في برج عاجي خارج سياق العمل على بناء علاقات الجامعة والبحث عن فرص ومشروعات بحثية واستثمارية، تعزز من موارد الجامعة. ولعلي أذكر هنا أن «الحرية الأكاديمية» ليست بلا ثمن، بل إن الجامعات في الغرب لا تعين أعضاء هيئة التدريس في مواقع بارزة إلا بشرط أن يقوم العضو بجلب دعم مالي للبحوث، التي يقوم بها، وغالبًا ما يتم تحديد حد أدنى لهذا الدعم، وتكون للأستاذ نسبة من الدخل. خلق حالة من التنافس الشفاف والواضح تضمنه «حوكمة» الجامعات التي ستقيم توجهاتها التطويرية. وبالطبع تطبيق مثل هذه السياسات ليس بالأمر السهل، فمن السهولة بمكان وضع نظام مثالي (وأنا هنا لا أقول إن نظام الجامعات الجديد مثالي)، ولكن من الصعوبة تطبيق هذا النظام؛ لأن الثقافة الإدارية السائدة لا تسمح بمرور الأفكار التي يحث عليها النظام، فيتم تطبيقها شكلاً لا مضمونًا.

لا بد أن أنظر إلى النظام الجديد للجامعات إيجابيًا، رغم أن كثيرًا من الزملاء يرون أنه أقل من الطموح، لكن الجانب الإيجابي في النظام أنه يعمل «بنفس طويل»؛ أي أنه لا يوجد استعجال في تطبيقه، لكنه يسعى إلى تغيير ثقافة الجامعة السعودية على مدى سنوات، وأرى أن هذه السياسة الطويلة النفس ترى «النور في نهاية النفق»، وتسعى إلى الوصول إليه حتى لو استغرق ذلك وقتًا. ربما المساحات التي يوجد فيها تردد في النظام الجديد، خصوصًا فيما يخص التخلص من الثقافة الإدارية الحالية، بما في ذلك النظام المالي، قد تصبح أكثر وضوحًا مع الوقت وتتم معالجتها.