المبدعون الحقيقيون يبتكرون شخصيات لا تموت بموتهم، رنيه غوسيني نموذجًا، هو الذي لم يعش طويلاً؛ إذ توفي وهو في الواحدة والخمسين من عمره، لكنّه ترك روائعه لأجيال بعده، فأسعد الصغار كما أسعد الكبار باقتناص تلك اللحظات المشتركة بين أطفال العالم.

ابتكر غوسيني شخصية "نيكولا الصغير"، ولن تدهش الأطفال فقط عبر سلسلة من الكتب الموجهة لهم، بل ستدهش الكبار أيضًا، كما ابتكر شخصية أستيريكس، ويعتبر الأب الشرعي لها، وشخصية "لاكي لوك" وغيرها من الشخصيات التي عشقها الأطفال أيام كانت هناك صحافة مخصصة لهم، وكانت جد مزدهرة، بل كان ذلك عصرها الذهبي، ونتحدّث هنا عن منتصف أربعينات القرن الماضي إلى نهاية السبعينات.

يومها كانت تلك القصص المصورة تصدر على شكل مجلات أسبوعية، يقوم برسم شخصياتها رسامو كاريكاتور، ما أثمر شراكات رائعة بين رسامين وكتاب مثل غوسيني وجان جاك سامبي، وألبير أودرزو، وموريس دي بيفير، وآخرين ...

نذكر أن تلك المجلات كان الأطفال ينتظرونها بشغف مطلع كل أسبوع، وكانت تختلف تمامًا عن المسلسلات الكرتونية التي تُبَثُّ لأطفالنا اليوم عبر فضائيات كثيرة، كونها كانت نتاجًا أدبيًا راقيًا، تُرَاعَى فيه الأخلاق، مع الحرص على تغذيتها بالمواقف الكوميدية الهزلية.

نذكر أيضًا مجلة "تان تان"، التي كانت تحمل شعارًا طريفًا يقول إنها موجهة للشباب من عمر الـ 7 سنوات إلى 77 سنة، وكانت ناجحة إلى أواخر سبعينات القرن الماضي؛ حيث سجلت تراجعًا في المبيعات، ما جعل مديريها الجدد يدخلون أفكارًا لماحة للجنس لجذب القراء، مع تقليص كبير للخطابات الأخلاقية، ولعلّها كانت فكرة "مبهرة" في البداية كأي مخدر يقدم لمتعاطٍ مبتدئ، إلاّ أنه سرعان ما فقد فعاليته، ما جعلها تشهد انحدارًا مستمرًا إلى أن أعلنت توقفها بعد إفلاسها تمامًا.

لم يشهد غوسيني الكارثة التي حلّت بتلك المجلاّت التي شهدت قمة نجاحها في حياته، لكنه أيضًا لم يشهد نجاح شخصياته سينمائيًا، التي قاربت العشرين طبعة بالنسبة لأستريكس على سبيل المثال، وآخرها فيلم "أستيريكس: سر الجرعة السحرية"، الذي أطلق خلال فترة الأعياد في السنة الماضية محققًا نجاحًا كبيرًا، وهو النجاح نفسه الذي حققه "نيكولا الصغير" في طبعاته القليلة، وآخرها كانت سنة 2014 في العالم الفرنكفوني كله. أمّا القصص المصورة لهذه الشخصيات على شكل كتب فلم تتراجع مبيعاتها أبدًا، بل ظلّت تحقق أرقامًا كبيرة منذ خمسينات القرن الماضي إلى يومنا هذا، وهذا ما يجعلها شخصيات محيّرة فعلاً، كون تقنيات تقديمها تموت، لكنها لا تموت في قلوب الأجيال المتتالية.