للمسجد مكانة عظيمة في نفس كل مسلم، فهو المكان الذي يتردد إليه في اليوم والليلة خمس مرات لأداء الصلاة جماعة مع المسلمين، ومنذ اللحظة الأولى لوصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى مهاجره في المدينة المنورة، قام ببناء مسجده، ورغّب صلى الله عليه وسلم في بناء المساجد، ومن ذلك قوله فيما رواه مسلم: «من بنى مسجدًا بنى الله له مثله في الجنة»، ومن هذا المنطلق فقد اهتم المسلمون منذ القدم وعلى مختلف العصور ببناء المساجد، وامتدت العناية بها إلى يومنا هذا، وبالأمس القريب وفي السنوات التي واكبت تأسيس هذا الكيان العظيم على يد المؤسس الراحل الملك عبدالعزيز – طيب الله ثراه – كان الاهتمام واضحًا ببناء المساجد وعمارتها، وكانت المساجد في تلك الفترة تبنى من اللبن والطين، وتسقف بأخشاب الأشجار المتنوعة، وبعد فترة من الزمن دخلت مواد البناء الحديثة في بناء المساجد فأنشئت مساجد مبنية من البلوك والأسمنت والحديد، وكان يسمى مثل هذا البناء «المسلح»، وكم كانت فرحة الناس في ذلك الوقت كبيرة وغامرة بهذا البناء الحديث؛ حيث يعني استبدال المبنى الطيني بمبنى حديث مسلح بمساحة أكبر من سابقه، وبناء محكم وقوي يتحمل هطول الأمطار الغزيرة دون أن يتأثر سقفه أو تنسلخ جدرانه، فقد كانت المباني الطينية ومنها المساجد تحتاج إلى عملية ترميم دائمة في كل عام، وعند هطول الأمطار الغزيرة، وذلك بإصلاح الخلل في الأسقف بعملية تسوية السطح بطين جديد، وكذلك الجدران بتكسيتها بطين جديد، وتسمى تلك العملية «ملط» أو «مليط» أو «مش» للجدران بمادة الطين الذي يشبه الصلصال الذي عندما يجف يصبح قويًا ومقاومًا للماء فترة طويلة، أمّا عن بناء المساجد القديمة في القرى والبلدات، فقد كان يتم عن طريق تعاون الجميع من أهل البلدة؛ بحيث يشتركون جميعًا في عملية البناء طلبًا للأجر، كما يتم تأمين المواد الأساسية من الحجارة والطين وأشجار الأثل وجريد النخيل ممن يمتلكون ذلك وبدون مقابل، إضافةً إلى أن إمام المسجد والمؤذن يأخذون أجرتهم مما يتم إيقافه على ذلك من ثمر النخيل أو القمح، وبعد أن تم توحيد المملكة تم استحداث إدارة للأوقاف والمساجد، وباتت مسؤولة عن بناء المساجد وصرف مكافآت للأئمة والمؤذنين، بل تولت صرف مكافأة لخدم المساجد، إضافة إلى تشييد مبانٍ لسكن الإمام والمؤذن، وفي عصرنا الحاضر واستمرارًا لما تلقاه المساجد من عناية، فقد تولت الإدارة المعنية بالمساجد بناء المساجد في كل مدن وقرى بلادنا، ومساعدة من يرغب في التبرع ببناء المساجد، وذلك بالإشراف والمتابعة، كما تقوم بعمليات النظافة والصيانة الدورية، ويبلغ عدد المساجد في المملكة 98.800 مسجد وجامع، ويبلغ حجم الإنفاق عليها نحو 100 مليار ريال سنويًا.

الجامع الكبير

وتزخر بلادنا بكثير من المساجد التي لها تاريخ طويل يمتد عدة قرون، وبالطبع فإن من أشهرها على المستوى المحلي والإقليمي والإسلامي الحرمين الشريفين، اللذين امتدت لهما يد العناية منذ بنائهما إلى هذا العهد الزاهر، الذي جعل منهما درتين تتلألأن في سماء الوطن، حيث إنهما مهوى أفئدة جميع المسلمين في شتى بقاع الأرض، وبالحديث عن المساجد القديمة التي كانت مبنية باللبن والطين، فإن العاصمة الرياض اشتهرت على مرّ الأزمان بمساجدها الكثيرة، ويأتي على هرم هذه المساجد شهرة وحجمًا وقِدَمًا جامع الإمام تركي بن عبدالله - الجامع الكبير - الذي كان يعد بحق جامعة كبرى في عصره، حيث تقام فيه حلقات العلم، التي يدرّس فيها كبار أهل العلم في ذلك العصر، الذين تتلمذ على أيديهم جل علماء نجد عدة قرون، ما أكسبه المكانة العلمية المرموقة التي ذاع صيتها في جزيرة العرب وما جاورها، وقبل الخوض في يوميات هذا المسجد والحركة التجارية الدائبة حوله، لا بد أن نسلط الضوء على بداية تأسيسه. ففي أرض تسمى «النقعة» تقع وسط الرياض، أمر الإمام تركي بن عبدالله بن محمد آل سعود بإنشاء جامع سمي فيما بعد باسمه، وعيّن عليه الشيخ عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ، وقد أخذ في الاعتبار قربه من عدة أحياء، إضافة إلى قربه من قصر الحكم، وقد كانت عادة الإمام تركي عندما يصلي الجمعة في الجامع الكبير أن يخرج من الباب الذي يقع جنوب المحراب، وأعد هذا الباب في قبلة المسجد لدخوله وخروجه ولدخول الإمام عن تخطي رقاب الناس لكثرة ما في المسجد الجامع من الصفوف، وهذه الإضافات تمت خلال مدة حكمه قبل عام 1241هـ إلى عام 1249هـ، وزاد في بنائه الإمام فيصل بن تركي، وأصبح الجامع من أكبر وأهم المساجد في مدينة الرياض وأعظمها، نظرًا لما يحويه من أنشطة تعليمية وعلمية، وكان وما زال يمتلئ بالمصلين والعبّاد، وقرّاء القرآن الكريم وطلاب العلم والمعرفة.

توسعات وترميمات

وذكر «فلبي» أن الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - كان يغادر إلى جناحه الخاص ومصلاه فوق الجزء الغربي من المسجد، الذي كان يصل إليه بواسطة جسر مرتفع يربط بين جزئي المسجد عبر السوق، وكان هذا المكان ممتدًا بقدر اتساع المسجد، ولكنه لم يكن يتسع لأكثر من صفين طويلين من المصلين، وكان الإمام يؤم المصلين هنا أيضًا من المسجد أسفل هذا المكان، بحيث تظل النوافذ مفتوحة لكي يسمع المصلون صوت الإمام، أمّا القبلة فكانت ترتفع من المسجد إلى الطابق الأعلى، وقد مرّ جامع الإمام تركي بن عبدالله (الجامع الكبير) بالرياض بعديد من التوسعات والترميمات منذ عهد الإمام تركي بن عبدالله، ومن ثم الإمام فيصل بن تركي، وتتابعت التوسعات إلى العهد السعودي الزاهر، ففي محرم عام 1371هـ بدأ العمل بهدم الجامع، وقد استمر العمل تسعة أشهر، حيث افتتح في السابع من رمضان 1371هـ، ووسع هذا الجامع وأدخل إليه التيار الكهربائي، وعممت فيه المراوح وأقيمت على جوانبه مكبرات الصوت، وفرشت أرضه بالحصى بصفة مؤقتة إلى حين الحصول على الفرش المطلوبة له من الخارج، كما أقيمت فيه أول صلاة للجمعة بعد إتمام عمارته، وضاقت أروقة المسجد بالمصلين فيه منذ ذلك اليوم، وكان في مقدمة الحاضرين الملك سعود -رحمه الله-، وقد نقلت مكبرات الصوت الخطبة والصلاة إلى المصلين في أنحاء المسجد وخارجه، وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز -رحمه الله- عام 1408هـ، وبإشراف مباشر من خادم الحرمين الشريفين سلمان بن عبدالعزيز - أمير منطقة الرياض رئيس الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض آنذاك - بدأ العمل في هدم الجامع الكبير بالرياض ليتلاءم مع الخطة التطويرية لوسط مدينة الرياض، وهو مبنى على نفس موقعه السابق على أرض مساحتها 16800 متر مربع، وفي يوم الثلاثاء 7 رمضان من عام 1412هـ افتتح الملك فهد -رحمه الله - المرحلة المنتهية من برنامج تطوير قصر الحكم والجامع الكبير.

ويوجد عديد من المساجد التي لها تاريخ ضارب في القدم، ومع عمليات التطوير والتوسعة تم هدمها وبناؤها على أحدث طراز، أمّا عن المساجد الحديثة التي بنيت ولأول مرة بالبناء المسلح، فيأتي في مقدمتها مسجد سلام الذي يعد من أقدم المساجد الخرسانية في مدينة الرياض، والذي تم بناؤه عام 1360هـ على يد الأمير عبدالله بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله- ويقع مسجد سلام في قلب العاصمة، وبالتحديد في حي الديرة في مزرعة الأمير عبدالله بن عبدالرحمن -آنذاك- التي تسمى «سلام» الواقعة على طريق الملك فهد شرقًا، قبل أن تتحول إلى متنزه سياحي يتوافد عليه كثير من سكان وأهالي الرياض.

اهتمام ورعاية

وفي ظل الاهتمام والرعاية التي تلقاها بيوت الله من قبل المسؤولين في هذا البلد المعطاء، جاء توجيه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع -حفظه الله- بتأهيل وترميم 130 مسجدًا تاريخيًا، ضمن برنامج «إعمار المساجد التاريخية»، الذي تشرف عليه الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني بالشراكة مع وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، ومؤسسة التراث الخيرية، ليمثل دعمًا كبيرًا للبرنامج لتحقيق أهدافه في ترميم وإعمار أكبر عدد من المساجد التاريخية المستهدفة على مستوى مناطق المملكة، وتمكن البرنامج في الهيئة بالشراكة مع وزارة الشؤون الإسلامية من حصر أكثر من 1140 مسجدًا تاريخيًا في مناطق المملكة والحصر مستمر، وحصر المساجد التي تم ترميمها وتأهيلها، والتي تزيد على 120 مسجدًا تاريخيًا في مناطق المملكة، وليضاف لما حظي به البرنامج من دعم سابق من خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله-، وصاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز -رحمه الله-، ومن رعاية ودعم واهتمام من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- حيث رعى إطلاق برنامج إعمار المساجد التاريخية في كل من الدرعية وجدة التاريخية، كما تبرع بترميم وتأهيل مسجد الحنفي التاريخي في جدة، كما حظي البرنامج أيضًا بدعم أصحاب السمو أمراء المناطق ورجال الأعمال والمحسنين في مناطق المملكة، وقد تبنى صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز رئيس الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني -سابقًا- مؤسس ورئيس مجلس أمناء مؤسسة التراث الخيرية، إطلاق ودعم برنامج إعمار المساجد التاريخية في إطار اهتمام سموه بكل ما له صلة بخدمة بيوت الله والتراث العمراني الإسلامي، حيث بدأت مؤسسة التراث الخيرية القيام بدورها في الاهتمام بالمساجد التاريخية في المملكة، وأخذت على عاتقها منذ بداية إطلاقها للبرنامج عام 1418هـ أهمية توثيق وترميم عدد من المساجد العتيقة في مناطق المملكة.

الأهالي قديمًا اشتركوا في بناء المساجد كلٌ حسب قدرته
جامع تركي بن عبدالله (الجامع الكبير) في صورة حديثة
مسجد سلام بُني بالخرسانة المسلحة عام 1360هـ
ترميم أحد المساجد التاريخية في جدة
برنامج إعمار المساجد التاريخية يهدف إلى ترميمها على مستوى مناطق المملكة