منذ عشر سنوات و"كولين رايت" يطرح هذا السؤال على متابعي مدونته، ولايزال يرتحل من بلد إلى آخر بناءً على ترشيحات متابعيه، قادته إلى أكثر من ستين بلداً مختلفاً، ولم يتوقف حتى الآن!

تعود جذور هذا التساؤل الجامح إلى ما قبل عشر سنوات، حينما كان الشاب الأميركي يحقق قفزات لافتة في صناعة التسويق، لكنه أدرك أن هذا النجاح المهني المتصاعد لا يحقق له ما يريد من الحياة، أعمال لا تنتهي وهوس تملّكي لا يتوقف، لذا وفي العام 2009م اتخذ قراره بالتخلص من كل شيء يملكه، والاحتفاظ فقط بما يمكن أن يُحشر في حقيبته المحمولة؛ ليختبر أن التجرد من الزوائد والممتلكات سوف يمنحه صفاءً روحياً ومساحة أوسع لحياته.

كان محاطاً بالكثير من غير الضروريات، أثاثٌ فاخر، بدل رسمية، ثمانية حواسيب، وخزانة ملابس لا تُرتدى.. تجرد من كل ذلك، هذا الأمر لم يغيّر أسلوب حياته أو احتاجاته فقط، بل غيّر تصوره لما هو مهم وضروري، ولم يكن التخلص من الماديات صعباً للغاية كما كان يتوقع، بل جاء بسهولة نسبية، إذا بمجرد ما قرر الترحال وعرف ما يصبو إليه من هدوء وسكينة، حتى استطاع التخلص بالتدريج مما كان يثقله من ماديات والتزامات، قلصّ حجم استديو عمله حتى يتمكن من تشغيله على قارعة الطريق، وبدأ مدونة عن أسلوب الحياة، ثم سأل متابعيه عن أي البلاد يجب أن يرتحل إليها؟ وكانت الأرجتنين هي الانطلاقة الأولى، ليمكث هناك أربعة أشهر، ومنها امتدت السلسلة إلى نيوزيلاندا، تايلاند، أيسلندا، الهند، التشيك، الفلبين، جنوب أفريقيا، وغيرها.

يعمل اليوم "رايت" كمسافرٍ دائم الترحال، يكتب ويحرر الكتب والمقالات، ويصدرها إلكترونياً، كما أسس مع صاحبيه "جوشوا ميلبورن" و"ريان نيكوديمس" حركة المتجردين، التي تحدثت عنها قبل ثلاث سنوات هنا في هذه الزاوية، فهو يملك عدداً قليلاً من الأشياء، لكنه ليس معادياً للاستهلاك، كونه حريصاً على كيفية قضاء وقته وموارده بما فيها المال، عبر التركيز على الجودة، ليس فقط في الأشياء المادية، بل حتى العلاقات والأعمال.

استطاع أن يعيل نفسه بنفسه دون أن تكون له وظيفة مستقرة أو عنوان دائم، وأن يبني لنفسه علامة تجارية متفردة بناء على خبرته في التسويق، ولم يكتف بذلك بل أضحى مبشراً بما يفعل التجرد من الماديات على روحه وأسلوب حياته، فهو يلقي الخطب في المدارس واللقاءات حول العالم، ويقدم خلاصة تجربته في دورات وورش عمل أيضاً، ناهيك عن برنامجه الإذاعي على شبكة الإنترنت: "لنتعرف على الأشياء" الذي يساعد على فهم سياق الأحداث والأخبار من حولنا.

يصف "رايت" نفسه ببساطة: شابٌ في الرابعة والثلاثين، أعسر، لا يستطيع أن يصدق أنه يفعل ما يقوم به من أجل لقمة العيش!.