"كلما بريت قلمي براني.."

(ميخائيل نعيمة)


نزار قباني الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس بما كتبه منذ ديوانه الأول قالت لي السمراء، إلى أن غادر الحياة بعد أن واجه الكثير من المديح والذم، والقبول والرفض، ولكنه كان علامة في الحياة الثقافية العربية أتفق على أنها عريضة/طويلة إلى ما لا نهاية، ومازال حتى اليوم وسيظل محط أنظار الدارسين والقارئين، وأن مكانه لن يشغل بسواه مهما مر الزمن، فلكل زمنه، وهناك من يتخطى زمنه ويبقى على مر الأزمان حاضراً، ونزار سيبقى بما قدمه في حضور أبدي، قال ما يتحتم أن يبقى، لأنه كان يعي أنه يرسم بحروفه صورة الحاضر/القادم، وهذا سر استمراريته االإبداعية اللا نهائية.

نزار أثر في كثيرين وحاولوا أن يكونوا نزاريين، ولكن الأصل الأصيل لا يمكن تقليده، وهو غير متاح لكل من أراد، فالموهبة نعمة وتنميتها بالرعاية المستمرة لا تتاح إلا للعبقري الذي يقيس مسافته قبل أن يشرع بالخطوات، ويرسم خارطة الطريق التي تقنعه ويستمر في متابعة منعطفاتها ومنعرجاتها دون كلل أو ملل، يواصل قراءاته، وينظم رحلاته، ويختار حاجاته الروحانية والجسدية ويغلف ذلك برداء الصدق المعبِّر عن مكنونات الذات والذي يتمثل في رؤاه ورؤيته، ويحاكي واقعه بما يحتاج في معايشة اللحظة، وينظر إلى ما ورائيات الحاضر ويرسم صورتها ويعلنها في عطاءاته، إذ هو يعايش ويواكب ويستقرئ، فهو رائي يرى بفعل موهبته وتجاربه أن من هنا يكون الطريق.

كان يرى نفسه أنه الشاعر الوحيد الذي قال وتحمل تبعات أقواله ومهما تعرض له في حياته من نقد كان يعد في حسابات الحسد والغيرة من شاعر استطاع أن يفرض شعره على الشارع العربي كما المثقف العربي، فكانت دواوينه تنفد حال صدورها، وبعض أشعاره تلحن وتغنى، من قبل الفنانين العرب المرموقين.

نزار الفنان المبدع في مجاله العريض استطاع أن يشغله بجدارة، فكم من الدراسات التي توالت ومازالت تتوالى تكتب عن حياته وشعره مما يؤكد مكانته المرموقة:

وأقتل عطري عامدا متعمدا *

وأخرج من جنات عينيك هاربا

أقوم بدور مضحك يا حبيبتي *

وأرجع من تمثيل دوري خائبا

فلا الليل ليل لو أراد نجومه *

ولا البحر يخفى لو أراد المراكبا

الشاعر في رسمه بقلمه البديع لطفولته:

"طفولتي قضيتها تحت - مظلة الفي والرطوبة - التي في بيتنا العتيق، كان هذا البيت هو نهاية حدود العام عندي، كان الصديق، والواحة، والمشتى، والمصيف، أستطيع أن أغمض عيني الآن وأعد مسامير أبوابه، وأستعيد قراءة آيات القرآن المحفورة على خشب قاعاته، وأستطيع أن أعد بلاطاته واحدة واحدة وأسماك بركته واحدة واحدة، وسلالمه الرخامية درجة درجة وأستعيد مستطيعاً بعد هذه السنوات الطوال مجلس أبي في صحن الدار وأمامه فنجان قهوته، ومنقلته، وعلبة تبغه، وجريدته، وعلى صفحات جريدته تتساقط كل خمس دقائق زهرة ياسمين بيضاء كأنها رسالة حب.." هذه الكلمات تمثل عابر الأشكال الأدبية شعراً - نثراً - قصة - سيرة وغير ذلك مما يخطر/لا يخطر على البال، وهذا ما يؤكد موهبة وعبقرية الشاعر النزارية المتفردة.

وهو من قال لا أريد أن يكتب عن سيرتي غيري؛ لأن أصدق من يكتب عني أنا بكل تأكيد، أنا لأنني أعرف من أنا، عندما طلب منه كتابة تجربته الشعرية كمقدمة لأعماله الشعرية، مثل من سبقه من الشعراء فأبى إلا أن يكتب هو عن أناه، وكانت سيرة مغايرة لمن سبقوه، وهو مغاير لمن سواه، في شعره ونثره حياته.