في عالم الأجناس الأدبية اليوم لم يعد (التجنيس) بناءً جداريًا يضع الفواصل والحدود التي تحول بين ترابط الأجناس، وتداخلها، وتفاعلها، بل أصبحت المسألة أكثر تحررًا وانفتاحًا، حيث أخذت تلك الأجناس الأدبية تكسّر الحواجز، وتتخطاها إلى حيث التفاعل والدخول في خضم الشعرية الجديدة، تلك الشعرية التي تؤكد أن البينية ليست حكرًا على العلوم والمعارف، بل يمكن أن تستفيد منها الأجناس، أو الأنواع، أو الأشكال الأدبية قاطبة.

وإذا كانت تلك الأجناس، أو الأنواع، أو الأشكال تتداخل فيما بينها ضمن نص، أو نوع بعينه، فإننا رأينا هذا الأمر متطورًا، ومتجددًا؛ إذ وجدناه جليًا ليس في إبداع المحدثين، بل حتى لدى القدماء، وهو أمر ينبئ عن صعوبة أن يظل النوع الأدبي صافيًا نقيًا، خاليًا من تلاطم الأنواع الأخرى وتدافعها عليه، وليس يعني هذا أمرًا سلبيًا، يضرّ بعملية الإبداع، أو يحدّ من شعرية النص، بل ربما كان هذا الأمر عاملاً مهمًا في الكشف عن جماليات النوع، وأدبية النص.

غير أن التداخل بحد ذاته لا يمكن أن ينمّ عن شعرية جديدة ومتصاعدة إلا إذا كان ذا أثر تفاعلي، بمعنى أن يكون التداخل ليس استعراضًا لأنواع بعينها، وإنما يحتاج إليه النوع الأول (الأصيل) ويوجهه إلى حيث التمدد، والتجدد، وعليه فإن هذا التفاعل الحاصل، يعد مرحلة ثانية بعد مرحلة التداخل، وهو كذلك نتيجة للأول، وسبب عنه؛ فكل تفاعل قد يؤدي إلى تداخل، وليس العكس.

إننا - على سبيل المثال - نرى الرواية إمّا لأنواع أدبية كثيرة، حيث نلمح فيها القصيدة، والرسالة، والخطبة، والمقالة، والمقامة، والأمثال، والوصايا، بل ربما قامت الرواية في مجملها على نوع بعينه، كأن تكون سيرة ذاتية، أو مذكرات، أو رسائل، أو غير ذلك، وهنا لا يمكننا نعت الجنس الأصيل بابتلاع الجنس الدخيل، غير أنه يمكن أن يشير إلى أن التفاعل - بوصفه مرحلة ثانية من مراحل تماس الأنواع الأدبية - ربما قاد إلى مرحلة ثالثة، وهي مرحلة التصارع، التي يغلبُ فيها نوعٌ نوعًا، فيمسك بزمام النص، وهو لا شك ملمح آخر من ملامح الأدبية بين الأنواع، يبرز مظاهر القوة، والضعف، ويبين مواطن التفوق، والانحسار.