لم تعد الكتابة وقفًا على نخبة أساطين الأدب، بل ارتاد التأليف من لم يخطر على البال جرأتهم على الكلمة، وفي موضوعات لم تخطر من قبل لمخيلة، لكأنما صار التأليف والتعبير اللفظي عن الذات حاجة ملحة لا تستقيم بدونها الحياة، ولعل تسجيل السير الذاتية صار من الفروع الكتابية التي أخذت تتفوّق ويرتادها الجميع، فمثلًا من المثير التوقف بالكتاب المعنون، «هروبي الأجمل Ma plus belle évasion «، الذي كتبه السجين الأشهر في فرنسا «ميشيل فاجور Michel Vaujour «، الذي يسرد في كتابه الصادر عن دار نشر “ Presses de la renaissance» تجربته الفريدة في الهوس بالحرية. ميشيل الذي وفي سن المراهقة أغرته الفضاءات بسرقة سيارة لكي ينطلق بها في الأرض والليل، الأمر الذي ترتب عليه القبض عليه وإيداعه في الكابوس الأعظم «زنزانة السجن»، ولكأنما أفقدته الجدران الأربعة صوابه وأجّجت فيه جنون الهرب، لقد صار الهرب هدف وجوده، لا يحتمل القضبان إلا حالمًا بالفرار، وهكذا فلقد سجل ميشيل فرجور رقمًا قياسيًا في الهروب، كلما هرب أعيد القبض عليه وتضاعفت مدة سجنه، حتى بلغت الـ 27 عامًا من سنوات حياته التي لم تتجاوز الـ54، والأدهى الـ17 عامًا التي حُكِمَ عليه بقضائها في الحبس الانفرادي في صمت مطبق لا تلاغيه إلا الجدران الصامتة المعتمة. وجود معادل اخترق فيه وحمله للتواصل وحقيقة ذاته، حقيقة الوجود. لم يكن هروب ميشيل فوجور من السجن فقط، وإنما كان هروبه من العدمية ومن الغفلة، بلغ مرتبة روحية جعلت منه رجلًا آخر، رجلًا يرى ما وراء الزائل حرًا طليقًا من وهم الزائل. هو الصمت والتأمل من أنقذه، منقذه كما يقول ليس فقط الجبنة التي طبع فيها مفتاح الزنزانة ولا مسدس الصابون الذي خدع به حراسه ولا محبة زوجته المخلصة له مدة سجنه التي زادت عن ربع قرن، التي تعلمت قيادة طائرة هيلوكوبتر لكي تنتشله من السجن، لكن منقذه كان الرصاصة التي اخترقت جمجمته ولم يكن بوسع الأطباء إخراجها ولا تزال برأسه ملموسة حتى الآن، رصاصة أصابته بالشلل، وأدت للعفو عنه من جهة، ومن جهة أخرى دلته على اليوجا والتأمل الذي قاده للباطن، هناك في أعماقه اكتشف بصيصًا من نور، أخذ ينفخ فيه في سنوات شلله حتى اتقد نارًا وحركة أخرجته من الشلل الذي دام أربع سنوات. 

رحلة الباطن هذه يتتبعها الكتاب بتشويق، يعرض كيف تحول هذا السجين لملك إثارة غطت أخباره وسائل الإعلام الفرنسية، والآن تحول لأسطورة في استقراره بمنزله المطل على غابة فاونتينبلو، هناك في معتكفه حيث يقضي الوقت في التأمل، ويعتاش من نسج النصوص «السيناريوهات» للتليفزيون والسينما.

رحلة للقوى الكامنة في البشر، التي تتجسد بلا مجال للشك عبر أروقة الصمت والظلمة، فقط حين نتعمق تتكشف لنا الخوارق.