قبل عام كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يسعى بحماس مريب لبث سمومه ضد المملكة وحشد قدراته الدبلوماسية والإعلامية لتأليب المجتمع الدولي على السعوديين والمطالبة بمعاقبتهم، حدث كل ذلك في وقت كانت فيه العلاقات على ما يرام بين البلدين، ولم يسبقها أي توتر أو خلاف يبرر هذا الانقلاب وهذه الانتهازية اللئيمة.

بالطبع نعلم أن كل جهوده ذهبت أدراج الرياح، وأن المملكة صمدت أمام الرياح المسمومة التي انبعثت من تركيا ومن قطر وفلول التنظيمات الإخوانية، بل وواصلت طريقها المرسوم غير عابئة بالدعاية السوداء ومحاولات تعطيل النهضة السعودية الجديدة.

غير أن فشل مساعي أردوغان في التأثير على المكانة الدولية للمملكة وإيقاف صعودها الإقليمي والعالمي لم يكن أكبر خسائره، فقد انقلب السحر على الساحر، وما حاول السلطان المزعوم أن يوقع فيه السعوديين من قطيعة دولية وعقوبات، وقع هو فيها وجر على بلاده تداعيات لم تكن في الحسبان لدولة عضو في الناتو جراء سياساته المتخبطة وأوهامه التاريخية.

خسارة أردوغان للحليف الأميركي كلفته كثيراً، فبعد عقوبات أولية فرضتها واشنطن على تركيا شملت وزراء الطاقة والدفاع والداخلية، مرر مجلس النواب الأميركي مشروعاً ظل يراوح لسنوات حول الاعتراف بارتكاب تركيا لإبادة جماعية بحق الأرمن، الأمر الذي سيرتد على أنقرة بتداعيات دستورية وقانونية، وسيدخلها -حال تصعيد ملف الإبادة- في دائرة لا تنتهي من قضايا التعويضات وإعادة الممتلكات الأمر الذي يمس السيادة التركية.

هذه الكلفة الباهظة لن يجد الشعب التركي أي مبرر لها على الإطلاق، وهو يرزح تحت وطأة تراجع اقتصادي ومعيشي صعب، وفي ظل انهيار غير مسبوق للعملة التركية، وعوض أن تتمتع تركيا بسياسة «صفر مشاكل» التي روج لها أحمد داوود أوغلو، قادت الطموحات المتهورة لأردوغان بلاده لتصبح في قلب المشكلات الإقليمية والدولية، وبأقل قدر من الأصدقاء في تاريخ تركيا الحديث.