(1)

ربما يكون من الافضل أن استمر في الحديث عن المدينة كي أغتنم فرصة تواجدي الاسبوع الفائت في مدينة لندن، فقد كنت مشاركا في المؤتمر السنوي للدراسات العربية (وهو اهم مؤتمر يعقد كل سنة في المتحف البريطاني يهتم بتاريخ وآثار وعمارة الجزيرة العربية). بالنسبة لي هذه المشاركة الرابعة على التوالي، إذ ان هذا المؤتمر رغم انه يمس تاريخ المكان الذي انتمي له إلا ان المشاركة السعودية هي الأقل بين المشاركات العالمية (يحضر المؤتمر حوالي 180 من المتخصصين والمهتمين من مختلف انحاء العالم لا يتجاوز عدد السعوديين المشاركين 5 اشخاص في المتوسط وغالبا ما تكون المشاركة خالية من اي اوراق علمية). وبالتأكيد فإن المقال ليس عن هذا المؤتمر المهم الذي اتمنى ان تتسع مشاركتنا فيه في المستقبل خصوصا بعد التطور الكبير الذي شهده فمنذ اربعة اعوام تقريبا حول المؤتمر سجل أبحاثه إلى كتاب سنوي تصدره دار النشر (اركيو برس) في مدينة اكسفورد، مما يعني مزيدا من الانتشار والتأثير لما يقدمه المؤتمر من دراسات وافكار ونظريات حول الجزيرة العربية وتاريخها. ولأن المؤتمر يعقد في مدينة لندن التي قال عنها احد فلاسفتها في القرن السابع عشر «انه من يمل من لندن يمل من الحياة» فلك عزيزي القارئ ان تتخيل ماذا تعني المدينة هنا، فلندن مدينة ملهمة ومولدة للإبداع، فإذا كان مفكروها يرون انه من يمل من هذه المدينة فما عاد في الحياة شيء لا يمل منه وفي وقت مبكر جدا، فإنه من المتوقع ان ما تقدمه لندن لسكانها وزوارها يفوق ما تقدمه أي مدينة أخرى (أو هذا على الاقل ما يعتقدونه) ومع ذلك لابد أن اشير إلى ان كثيرا من الأوربيين يرون في لندن مدينة غير نظيفة ولا يرغبون في الحياة فيها. وهي وجهة نظر تعيدنا إلى الحوار الأزلي حول المدينة فقد ادان (فولتير) المدينة الكبيرة الحجم وهو ما يراه (شبنجلر) الذي يعد المدينة الضخمة علامة من علامات انهيار الحضارة الغربية، بينما يرى (مونتيسكو) المدينة الكبيرة جزءا من الفضاء الاقتصادي العولمي المنتج. بالنسبة لمدينة لندن فقد اعتبرها (بليك) رمزا للإنسانية العالمية بينما يراها (انجلز) على انها تمثل «عظمة انجلترا»، كما أن هناك من يربط الثقافة بالمدينة مثل (روستوف) الذي يؤكد على ان كل ثقافة راقية هي بالضرورة ثقافة حضرية. بالنسبة لي اجد في المدينة الحية معنى «التناقض» فكل مدينة تتحرك فيها الحياة هي فضاء للتناقض، وهو سر غموضها ومتعتها. مدينة لندن في غاية الانسجام وغاية التنافر وهي مدينة نظيفة جدا وتلوثها القذارة، انها فضاء يزرع العدل والظلم في آن واحد التسامح والتشدد يلتقيان معا على ارصفة المدينة، تناقض مذهل يجعل كل ركن في المدينة يشير إلى معنى الحياة الحقيقية. بقي أن اذكر ان عنوان هذا المقال هو عنوان كتاب جديد صدر للناقد المعماري (اللندني) المعروف (بيتر كوك) (المدينة: حديقة ممتلئة بالأفكار الملونة) وهو كتاب يقدم قراءة معمارية عميقة حول المدينة والدروس المفتوحة التي تقدمها لنا إذ ان ما تنتجه المدينة من افكار اعمق بكثير مما يعتقده المعماريون والمخططون انفسهم، فهي مجال التفاعل الانساني الذي يصعب التكهن بما يمكن ان يقدمه لنا. كما انه عنوان يذكرني بما كتبه (حليم بركات) حول سيرته الذاتية وسيرة بيروت «الجريحة» في كتابه «المدينة الملونة» فالذي يبدو لي ان طعم المدينة الملون هو ما يجعلها مثيرة للمشاهدة حتى لو كانت الصورة تنزف ألماً كما هي صورة بيروت هذه الايام..

(2)

ولأني اريد ان اتجاوز «ألم المدينة» بصور أخرى تفتح شهية «التعلم» لذلك سوف اتحرك في مدينة الضباب ابحث في «حديقتها الملونة» عن «صيغة متناقضة» وعن مشهد يخفف من ألم كل مدني العربية. سوف ابدأ بمكان انعقاد مؤتمر الدراسات العربية وهو المتحف البريطاني الذي يمكن للجميع الدخول له مجانا (إلا اجزاء منه وهي مخصصة للمتاحف والعروض الخاصة فيجب شراء تذاكر للدخول لهذه الأماكن) والمتحف نفسه بصرف النظر عن الاجزاء الخاصة فيه يحتاج إلى ايام عدة فهو من اغنى متاحف العالم كما ان عمارته نفسها درس مثير خصوصا البهو الرئيس الذي صممه واشرف عليه المعماري المعروف (نورمان فوستر) وهو نفس المعماري الذي صمم برج الفيصلية في الرياض. ويمكن أن انتقل إلى «متحف جميل» للفنون الاسلامية الذي دعمه رجل الاعمال السعودي (محمد جميل) فهو معرض مفتوح للفنون الاسلامية وسط متحف (فكتوريا وألبرت)، ففي هذا الجزء من لندن لا يمكن أن يكتفي الانسان بالمشاهدة فقد عرضت احدى القنوات التلفزيزنية البريطانية برنامجا متكاملا عن كيفية تجهيز هذا المعرض (الذي عرض قبل ذلك في مدينة شفيلد وسط انجلترا) وكيف ان المدارس قامت بتنظيم رحلات متعددة لطلابها حيث قام الطلاب والطالبات (من مختلف المراحل) برسم المعروضات ودراستها. الفكرة هنا جميلة وتحث على التعلم، فإذا كنا نعتقد ان المدينة تحث على التفكير وتحرض على الابداع، فإنه من المتوقع أن تملك المدينة نفسها مقومات الابداع. معرض الفنون الاسلامية في متحف (فكتوريا والبرت) جزء صغير من المتحف الكبير الذي يضم جناحا للفنون الآسيوية وآخر للأوروبية وكان هناك معرض خاص ل (شو غيفارا) الذي تحول إلى «ايقونة» ثقافية وفكرية وأحد رموز الفن المعاصر. يجب أن اؤكد هنا أنه بالقرب من هذا المتحف العملاق هناك «المتحف الطبيعي» وهو عالم معرفي بحد ذاته، فالمدينة لاتكتفي بتقديم تاريخ الحضارات (المتحف البريطاني) ولا حتى الفنون والتصميم (فكتوريا والبرت) و(المعرض الوطني للصور الشخصية) بل تاريخ العلوم والطبيعة (المتحف الطبيعي)، ويمكن للإنسان ان يتعلم مما تقدمه المدينة من معارف هكذا دون ان يضطر إلى اقتطاع جزء من دخله للحصول على هذه المعرفة فكل المتاحف مجانية إلا ما ندر. ما يثير استغرابي هو الامكانات الكبيرة التي تحتويها هذه المعارض ودور العرض دون ان تحتاج إلى فرض رسوم على الناس، فالمعرفة والتعلم هما في المرتبة الاولى.

(3)

في شارع (البيكاديللي) تقع (الاكاديمية الملكية للفنون) ومبناها يعتبر احد المعالم اللندنية التي يمكن تمييزها بوضوح في هذا الشارع وعلى وجه الخصوص في الشارع الخلفي الموازي لشارع (البيكاديللي). البوابة الرئيسة مفتوحة على الشارع والاحساس بالمعروضات الفنية يبدو في الفناء الكبير المفتوح على السماء لا يمكن ان تخطئه عيون المارة، انها دعوة للدخول وللتعرف على الفن وعلى المدرسة الفنية. تربية الذوق الجمالي هي احدى المهام «المدينية» ولا يمكن الاكتفاء بها في مجال معين وفي مكان محدد. في لندن بناء التذوق وتدريب العين وتعميق التجربة الجمالية احدى المهام التي تقوم بها كل عناصر المدينة، عمارتها ومؤسساتها (حتى «فترينات» المحلات تمثل حالة جمالية عالية حيث تعقد مسابقة سنوية لأجمل «فترينة» حيث يتسابق المصممون على تجميل شوارع لندن عن طريق تجميل «فترينات» محلاتها). اختلاط الفني الجمالي بالتجاري احد المتناقضات الكبيرة التي تعيشها هذه المدينة لتعيد الذاكرة بنا إلى عام 1830 عندما تأسست قاعة (البرت) للفنون (وتقع بالقرب من متحف فكتوريا والبرت) كي تربط الفن بالحركة التجارية «الامبريالية» التي كانت تمثلها الامبراطورية البريطانية في ذلك الوقت وتمكن الصناعة البريطانية من غزو اسواق العالم. حتى مبنى الاكاديمية الملكية للفنون فهو يقع في الوسط التجاري فهو احد المؤسسات التي تفتح ذراعيها لسكان وزوار لندن لتقدم لهم الفن بسلاسة فلا بأس بقليل من الفن اثناء التسوق. المدينة هنا تقوم اساسا على مؤسساتها التي تجدد دماءها باستمرار، فهذه المؤسسات هي الرافد الأول للمبدعين وهي المجال الاساسي لبناء المعرفة الجمالية على المستوى المجتمعي ولا يتصور احد ان مدينة يمكن ان تنهض دون هذا التجدد وهذا التحريض الدائم على الابداع. وما يجب أن نفكر فيه هو أن مسألة «التنافر الاجتماعي» هي اساس المدينة وأن وجود هذا التناقض هو تعبير عن حقيقة هذا التنافر الذي تأسست عليه فكرة المدينة منذ فجر التاريخ. في اعتقادي ان فكرة السياسة التي هي فكرة مدينية خالصة لم تنشأ ولم تتطور إلى من خلال هذا التنافر الذي يميز المدينة بل حتى فكرة الديموقراطية هي احد «مخترعات» المدينة المتنافرة.

(4)

لقد اتيحت لي فرصة ان احضر مسرحية (ماميا) وهي مسرحية غنائية قائمة اصلا على اغان للفرقة الكندية (آب) التي اشتهرت في نهاية السبعينات. العرض اكثر من رائع لكن ما كان يهمني هو عمارة المسرح وتقنياته وقد كانت اكثر من رائعة. المسرح «اللندني» يمثل قمة المسرح العالمي فهو متنوع ومتعدد ويتيح للإنسان فرصة «التعلم» و«التذوق». أذكر قبل عدة سنوات انني كتبت في هذه الزاوية عن «عمارة المسرح ومسرح العمارة» وكنت تحدثت بالتفصيل عن عمارة المسارح في لندن، ربما يجب علي ان اذكر بأن الفضاء الحضري الذي تقع فيه المسارح اللندنية هو فضاء مفتوح للحركة الانسانية (الوست اند وسوهو)، تظهر فيه المدينة صاخبة وتثير رغبات الترفيه. بالنسبة لي الحياة المدينية هي كل شيء (عبادة وتعلم وعمل وترفيه وممارسة الحياة الاجتماعية بشكل عام)، والتوازن بين كل شيء هو مهمة المدينة الحقيقية (التوفيق بين المتناقضات). في مسرحية «ماميا» كان احد الممثلين يقوم بدور معماري وكان احدى الشخصيات الرئيسة في العمل، لقد كان الاداء واللغة المستخدمة في غاية التفصيل والحساسية، حتى اسلوب اللبس والحركات ووجود «الاسكتش بوك» قريبا منه (وهي صورة تروق لي على الاقل)، كما ان احداث المسرحية تقع في جزيرة متوسطية تظهر العمارة فيها ذات السطوح الجيرية بوضوح وتبدو ابواب وشبابيك المساكن الصغيرة التي تدور فيها الاحداث في غاية «الواقعية». المسرحية واحداثها والمسرح نفسه والمكان الذي يقع فيه المسرح جزء من الفضاء التعليمي الذي تفرضه لندن على كل من يتعامل معها.

(5)

ربما يجب ان اتحدث عن عمارة لندن وهي عمارة متنوعة ومتفردة ويصعب التحدث عنها دفعة واحدة لكن ما يهمنا هو كيف تعلم المدينة سكانها وزوارها وكيف تحثهم على العمل، في البداية هذه المدينة تتكون من 32 بلدية (اي انها اداريا موزعة إلى 32 مدينة مصغرة) وكل بلدية لديها مجلتها الخاصة (او نشرة الاخبار) التي تهم سكان المنطقة دون غيرهم فعلاقة المدينة بسكانها علاقة حميمية وعميقة، ولا يمكن ان يتخذ قرار في المدينة دون أن يكون لهم رأي فيه. هذه العلاقة الحاثة على التفكير (يبدأ التفكير عندما تبدأ المسؤولية، أي انه طالما ان سكان المدينة مسؤولون عن مدينتهم فهم مطالبون بالتفكير في حلول ابداعية لكل ما يمر بهم من مشاكل). تذكرني هذه العلاقة بالمدينة القديمة لدينا فهناك من يرى انها كانت مدنا مبدعة لأنها فقط كانت تحث سكانها على المشاركة في اتخاذ القرار العمراني لأن السكان كانوا مسؤولين فعلا عن كل القرارات اليومية في تلك المدن، وانا اوافقهم في الرأي ولا اعلم لماذا تنازلنا عن كل هذا التراث «الديموقراطي» في ادارة المدينة. ولعلي هنا اؤكد أن «تنافر المدينة» يفرض المشاركة في القرارات العمرانية وإلا سوف ستكون القرارات غير واقعية لا تعبر عن الطيف الاجتماعي المتعدد والمتناقض.

(6)

كل مرة اسير فيها بشارع «الريجنت» اجد ان هناك فكرة بصرية وحضرية يمكن التعلم منها ففي طرفي هذا الطريق تقع ساحة «البيكاديللي» في جهة (مركز الترفيه اللندني) وينتهي في الطرف الآخر بدار للعبادة (كنيسة) مدخلها وبرجها في مركز الطريق رغم أن المبنى نفسه منحرف (طرفي تناقض ومتعة التنافر). وفي وسط الطريق تقع ساحة «اكسفورد» حيث يتقاطع الطريق مع شارع اكسفود (اهم الشوارع التجارية) في الطرف القريب من «الكنيسة». هذا الشارع ينحني وبشكل متواز تشكل الانحناء فيه مباني متعددة الطوابق بنيت في القرن التاسع عشر وبشكل حرفي بحيث يزداد الانحناء كلما اقتربنا من ساحة البيكاديللي وبعد ذلك ينفتح الطريق على الساحة. الاحساس بالعمارة وبالتواصل الحضري «الغامض» هنا يجعل من وسط المدينة ذا خصوصية، فهذا الشارع يختلف عن الشوارع الأخرى فهو يقدم عمارة القرن التاسع عشر ويمثل حلقة وصل اساسية تربط «البيكاديللي» و«الوست اند» مع «شارع اكسفورد» و«الهايد بارك» ومن ثم إلى «ساحة الترافلغار» ومبنى البرلمان ونهر «التايمز» والجزء الجنوبي من لندن. شارع «الريجنت» هو مفتاح وسط المدينة، إذ ان لكل مدينة مفاتيح تجعل منها مدنا ذات خصوصية كونه مفصلا تجاريا عمرانيا ينقل الحركة التجارية إلى الوسط الترفيهي والثقافي. السير عبر هذا المحور وسط المدينة متعة تعليمية من نوع خاص لأنه لابد من المفاجآت ولابد من التوقف فهناك الكثير من التحريض على المشاهدة التي لا نجد بداً من الاستجابة لها.

(7)

الحديث عن المدينة كحديقة من الافكار الملونة (على حد تعبير بيتر كوك) يستدعي الكثير من بناء «العين المدربة» القادرة على المشاهدة والرصد، والمدن الكبيرة غالبا ما تعلم ابناءها على المشاهدة ودائما ما توجد لديهم العين المدربة، فهذا جزء من دورها التعليمي وهو هدف لا يسعى احد لتحقيقه فالمدينة بنفسها تحققه لدى كل من يتعامل معها. وفي هذه المدينة المترامية الاطراف على وجه الخصوص لا يوجد هناك مجال إلا أن تتجمع كل الفضاءات التعليمية فيها، فالعمارة احد فضاءاتها التعليمية وهو فضاء مهم يمكن الحديث عنه بإسهاب في مناسبات قادمة.